آخر تحديث :الثلاثاء - 04 أغسطس 2026 - 06:15 م

كتابات واقلام


من يصلح الملح إذا الملح فسد؟

الثلاثاء - 04 أغسطس 2026 - الساعة 05:40 م

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


ليست كل الرسائل تحتاج إلى شرح، فبعض الكلمات تحمل من الوجع ما تعجز عنه المجلدات.
حين كتب الدكتور عبدالناصر الوالي: «من يصلح الملح إذا الملح فسد؟» لم يكن يبحث عن استعارة لغوية يتزين بها النص، بل كان يطلق صرخة رجل أنهكه الانتظار، وأثقل كاهله الشعور بأن الوفد الذي جاء مكرماً عاد أسير واقع لا يشبه ما وُعد به.
سبعة أشهر... ليست سبعة أيام عابرة، ولا أسابيع يمكن تجاوزها بابتسامة دبلوماسية. سبعة أشهر من الغربة القسرية عن الأرض والأهل، بينما تبقى عدن هناك، تنتظر أبناءها كما ينتظر الابن أباه عند باب الدار.
أي رسالة أقسى من أن يقول مسؤول جنوبي: "عدن... والرياض مؤقتاً"؟ حتى كلمة "مؤقتاً" بدت وكأنها تقاوم اليأس أكثر مما تصف الواقع.
لقد جاء الوفد الجنوبي إلى الرياض بدعوة رسمية، حاملاً نوايا السلام، ولم يأت خصماً ولا طالب مواجهة، بل جاء وهو يمد يده للأخوة، مؤمناً بأن العلاقة بين الأشقاء تقوم على الاحترام المتبادل، لا على الإطالة في الانتظار، ولا على إبقاء الرجال بعيدين عن أرضهم ووطنهم.
إن الكرامة ليست امتيازاً يُمنح، وإنما حق لا يقبل المساومة. ومن يحب الجنوب حقاً لا يزيد من أوجاعه، ومن يصف نفسه بالشقيق لا يجعل الشقيق يشعر بأنه عاجز عن العودة إلى بيته.
ولذلك فإن كلمات الوالي لم تكن احتجاجاً شخصياً، بل كانت صوت كل جنوبي يرى أن إبعاد قياداته عن أرضها يضاعف معاناة الناس، ويعمق الشعور بأن القرار لم يعد بيد أصحابه.
إلى الأشقاء في المملكة العربية السعودية نقول: إن الأخوة تُقاس بالمواقف، لا بالشعارات. وإن احترام الحلفاء هو أساس أي شراكة تدوم. فلا تجعلوا من الصبر امتحاناً لا نهاية له، ولا تضعوا بين الجنوب ووطنه أبواباً مغلقة.
لقد تعب الناس من الانتظار، وتعبت القلوب من الأسئلة التي لا تجد جواباً.
فإن كان السلام هو الغاية، فلا يكون السلام باحتجاز الإرادات، وإن كانت الأخوة هي العنوان، فلا تليق بها مرارة الإقصاء ولا قسوة الإبعاد.
ولعل السؤال الذي ختم به الدكتور عبدالناصر الوالي رسالته سيبقى يتردد في ضمير كل حر:
إذا كان الملح الذي يحفظ الأشياء من الفساد قد فسد... فمن يصلح الملح إذا الملح فسد؟

الثلاثاء الموافق 4 أغسطس 2026