آخر تحديث :الثلاثاء - 18 أغسطس 2026 - 07:24 م

كتابات واقلام


الحساب الوهمي.. قناعٌ لا يخفي صاحبه

الثلاثاء - 18 أغسطس 2026 - الساعة 07:00 م

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


ليست المشكلة في أن يختلف معك أحد، فهذه سنة الحياة، ولا أن ينتقدك أو يرفض رأيك أو حتى يشتد عليك في النقد؛ فالاختلاف، مهما كان حادًا، يظل حقًا مشروعًا ما دام صاحبه قادرًا على الوقوف خلف ما يقول باسمه ومكانته ومسؤوليته.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى تصفية حسابات، وعندما يختار صاحبها أن يختبئ خلف حساب وهمي أو اسم مستعار، فيقول من خلف الستار ما لا يجرؤ على قوله في العلن.
والأغرب أن يكون صاحب هذا الحساب من أهل العلم أو من العاملين في مؤسسة أكاديمية أو مهنية محترمة، يفترض أن تكون قد علمته أن قيمة الإنسان ليست فيما يخفيه، وإنما فيما يستطيع أن يقوله بوضوح، وأن الاختلاف لا يحتاج إلى قناع، وأن النقد لا يصبح أكثر قوة حين يخرج من خلف اسم مستعار.
ثمة فارق كبير بين أن تستخدم اسمًا مستعارًا لحماية نفسك من سلطة أو بطش أو ملاحقة، وبين أن تستخدمه للنيل من الآخرين وتصفية الحسابات الشخصية.
الأول قد يكون اضطرارًا تفرضه الظروف، أما الثاني فهو في الغالب محاولة للهروب من مسؤولية الكلمة.
والحسابات الوهمية ليست دائمًا مجهولة كما يعتقد أصحابها. أحيانًا يعرف الناس صاحب الحساب جيدًا، ويعرفون خلفيته، ومهنته، وحتى الدافع الذي يقف وراء ما يكتب. لكنهم يختارون الصمت، لا لأنهم عاجزون عن كشفه، وإنما لأنهم أكثر حرصًا على احترام أنفسهم، وعلى عدم تحويل خلاف عابر إلى فضيحة لا يريدها أحد.
وهنا تكمن المفارقة:

قد يختبئ صاحب الحساب خلف اسم وهمي، بينما يكون الطرف الآخر قد عرف اسمه الحقيقي منذ البداية.
ومع ذلك، يترك له مساحة للعودة، ويمنحه فرصة لأن يتراجع دون أن يخسر ماء وجهه.
لكن الصمت ليس شيكًا مفتوحًا.
فحين يستمر الحساب في الإساءة، ويتحول النقد إلى تجريح، والاختلاف إلى انتقام، يصبح من حق الطرف الآخر أن يضع حدًا لهذا العبث، ليس بالتشهير، وإنما بتذكير صاحب الحساب بأن هناك من يعرف أكثر مما يقول، ويرى أكثر مما يعلن، ويصمت أكثر مما ينبغي.
والأهم من ذلك أن مكانة الإنسان العلمية أو الوظيفية لا تحميه من أخلاقه؛ بل على العكس، تجعل مسؤوليته أكبر.
فكلما ارتفعت مكانة الإنسان، أصبح مطلوبًا منه أن يكون أكثر اتزانًا في خصومته، وأكثر احترامًا في اختلافه، وأبعد عن استخدام أدوات رخيصة لا تليق بما يحمله من علم أو صفة مهنية.
ليس عيبًا أن تختلف معي.
وليس عيبًا أن تنتقدني.
وليس عيبًا حتى أن ترفض كل ما أكتب.
العيب أن تجعل من حساب وهمي وسيلة للانتقام، ثم تتصور أن الاختفاء خلف اسم مستعار قد أخفى شخصيتك أيضًا.
فالناس قد لا تعرف صاحب الحساب من أول تعليق، لكنها مع الوقت تعرف أسلوبه، ومفرداته، وخصومه، وتوقيته، ودوافعه، بما فيها الثرثرة في مجالس القات، وادعاء المفهومية "الفشفشية".
وفي النهاية، الحساب الوهمي لا يخفي صاحبه بقدر ما يكشفه.
يكشف خوفه من مواجهة الآخرين باسمه، ويكشف عجزه عن إدارة خلافه بصورة تليق به، ويكشف أحيانًا التناقض بين الصورة التي يقدمها عن نفسه في الواقع، والشخص الذي يظهر خلف الشاشة.
ولذلك، قد يكون الصمت أبلغ من المواجهة، وقد يكون التغاضي أكرم من الفضيحة.
هناك أشخاص لا نكشفهم لأننا لا نستطيع، بل لأننا لا نريد.
وهناك أسماء نعرفها جيدًا، لكننا نختار ألا ننطق بها احترامًا لأنفسنا، واحترامًا للمكان الذي ينتمون إليه، وإيمانًا بأن بعض الأخطاء يمكن أن تنتهي بكلمة واحدة: كفى.
لكن هذه الكلمة ينبغي أن تُفهم في الوقت المناسب.
فاحترام الآخرين لا يعني السماح لهم بالإساءة، والصمت ليس عجزًا، والتسامح ليس غفلة.
ومن أراد أن يختلف، فليختلف باسمه.
ومن أراد أن ينتقد، فليحمل مسؤولية نقده.
ومن أراد أن يدخل معركة، فليدخلها بوجه مكشوف.
أما أن تختبئ خلف حساب وهمي، ثم تتعامل مع الناس وكأنك الوحيد الذي لا يُرى، فهذه ليست شجاعة مجهولة الهوية، وإنما ضعفٌ اختار لنفسه اسمًا مستعارًا.
ولكل صاحب حساب وهمي يظن أنه أفلت من أعين الناس:
بعض الناس يعرفون أكثر مما يعلنون، ويصمتون أكثر مما ينبغي… احترامًا لأنفسهم، واحترامًا للمؤسسات التي يعمل فيها الآخرون، لا خوفًا من أحد.

واللبيب من فهم الرسالة قبل أن يضطر صاحبها إلى شرحها.