آخر تحديث :الأحد - 23 أغسطس 2026 - 07:59 ص

كتابات واقلام


هل تستطيع السعودية ودول الخليج أن تتبنى برنامج «خطة مارشال» في الجنوب العربي واليمن؟

الأحد - 23 أغسطس 2026 - الساعة 07:17 ص

د.صبري عفيف العلوي
بقلم: د.صبري عفيف العلوي - ارشيف الكاتب


ما خطة مارشال؟ إنها أكبر مثال في التاريخ على فكرة أن تبني عدوك المهزوم بدلًا من أن تنتقم منه. اسمها الرسمي «برنامج الإنعاش الأوروبي»، وأعلنها وزير الخارجية الأمريكي جورج مارشال في جامعة هارفارد سنة 1947، وبدأ تطبيقها سنة 1948 بعد الحرب العالمية الثانية. كانت أوروبا مدمرة بالكامل؛ عشرات الملايين من القتلى، ومدن سُوّيت بالأرض، ومجاعة، ومصانع متوقفة، وكانت أمريكا القوة الصناعية الكبرى الوحيدة السليمة، وتمتلك نحو نصف إنتاج العالم.

كان أمام أمريكا خياران:
الخيار الأول: خيار معاهدة فرساي سنة 1919: أن تعاقب المهزومين، وتفرض عليهم تعويضات، وتتركهم ينهارون، وهو ما أسهم في خلق البيئة التي صعدت فيها النازية.

الخيار الثاني: خيار مارشال: أن تدفع أنت تكلفة إعادة البناء، وتعيد بناء أعدائك. واختارت الولايات المتحدة الخيار الثاني، وخصص الكونغرس 13.3 مليار دولار آنذاك لإعادة إعمار 16 دولة أوروبية.

هل بنت دول الأعداء فعلًا؟ نعم، وهذا كان الجزء الأكثر صدمة.
في ألمانيا، كانت الخطة الأصلية تقضي بتحويلها إلى دولة زراعية فقيرة، لكن مارشال عكس هذا الاتجاه. حصلت ألمانيا الغربية على نحو 1.4 مليار دولار، وأعيد بناء مصانعها، وأعيد دمجها في الاقتصاد الأوروبي، وخلال سنوات قليلة بدأت ما سُمّي بـ«المعجزة الاقتصادية الألمانية
أما اليابان، فلم تكن ضمن خطة مارشال جغرافيًا، لكنها خضعت للفلسفة نفسها. فقد طبقت أمريكا خطة مشابهة عُرفت باسم «خطة دودج»، فبدل تفكيك الصناعة اليابانية، دعمت إعادة بناء الاقتصاد، وأعيد تنظيم مؤسسات الدولة، وفتحت الأسواق أمامها، فتحولت من دولة مدمرة بالحرب والقصف النووي إلى واحدة من أكبر الاقتصادات العالمية.
أما إيطاليا، وهي الدولة التي كانت جزءًا من المعسكر الفاشي، فقد حصلت على نحو 1.5 مليار دولار.
وحتى بريطانيا وفرنسا، وهما من الحلفاء، حصلتا على النصيب الأكبر من المساعدات، لكن الهدف لم يكن مساعدتهما فقط، بل بناء نظام اقتصادي أوروبي يدفع الدول إلى التعاون، ويحد من أسباب الصراع، ويسهم في إنهاء حالة العداء بين ألمانيا وجيرانها.

لماذا تعوّض عدوك وتبنيه؟ لم يكن ذلك كرمًا أخلاقيًا بقدر ما كان قرارًا استراتيجيًا ومصلحيًا.

أولًا، منع الشيوعية. فقد كانت الولايات المتحدة ترى أن الجوع والفقر والبطالة يمكن أن توفر بيئة خصبة لصعود الشيوعية. وفي سنة 1947 كانت الأحزاب الشيوعية تتمتع بنفوذ كبير في فرنسا وإيطاليا. فالفقر والجوع قد يدفعان المجتمعات نحو الثورة، ولذلك أرادت واشنطن أن تبني أوروبا اقتصاديًا قبل أن يزداد نفوذ موسكو فيها.

ثانيًا، خلق زبون لنفسك. كانت أمريكا تنتج أكثر مما تستهلك، وإذا كانت أوروبا مفلسة، فمن سيشتري السيارات والقمح والسلع الأمريكية؟ لذلك خلقت إعادة الإعمار سوقًا هائلة للمنتجات الأمريكية.

ثالثًا، درس التاريخ. فهمت أمريكا أن معاهدة فرساي التي أذلت ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى أسهمت في خلق البيئة التي صعد فيها هتلر. فالدولة المهزومة والجائعة والمهمشة قد تبحث عن الانتقام، بينما الدولة الغنية والمندمجة في نظام اقتصادي وسياسي مستقر تصبح أقل ميلًا إلى الحرب.

رابعًا، احتواء ألمانيا بدل سحقها. فبدل إبقاء ألمانيا ضعيفة وحاقدة، جرى ربطها بمؤسسات أوروبية مشتركة، وبمنظومة أمنية واقتصادية غربية، بحيث أصبحت جزءًا من النظام الجديد بدل أن تكون مصدرًا لتهديده.

وكانت النتيجة أن الخطة أسهمت خلال سنوات قليلة في استعادة الإنتاج الأوروبي، وإنعاش التجارة، وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وتهيئة البيئة التي تطور فيها التكامل الأوروبي لاحقًا. لقد كانت الفكرة التي قلبت منطق ما بعد الحروب: المنتصر لا يأخذ الغنائم فقط؛ بل يدفع فاتورة إعادة البناء ليضمن أن المهزوم لن يعود عدوًا مرة أخرى.
فهل تستطيع السعودية ودول الخليج تبني «مشروع مارشال الخليجي للجنوب العربي واليمن 2027–2040»، والتحول من إدارة الأزمة إلى بناء اقتصاد إقليمي مستقر؟
أعتقد أن السؤال يستحق أن يُطرح بجدية، خصوصًا أن حجم الدمار والخسائر التي خلفتها عقود الحروب والصراعات في اليمن والجنوب العربي يفرض التفكير في مقاربة تتجاوز المساعدات الطارئة وإدارة الأزمات إلى إعادة بناء الاقتصاد والمجتمع والمؤسسات.

بعد سنوات طويلة من الحروب والانقسامات، لم يعد اليمن والجنوب العربي بحاجة إلى إدارة الأزمة فقط، بل إلى مشروع تاريخي لإعادة البناء والتنمية. ومن هنا تبرز فكرة إطلاق «مشروع مارشال الخليجي للجنوب العربي واليمن 2027–2040»، تقوده السعودية وتشارك فيه دول مجلس التعاون، بهدف الانتقال من المساعدات المتفرقة إلى بناء اقتصاد إقليمي مستقر.

ولا يعني استحضار «خطة مارشال» الأوروبية أن ظروف الجنوب العربي واليمن مطابقة لأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، لكن التشابه يكمن في الحاجة إلى تحويل آثار الحرب إلى فرصة لإعادة بناء الاقتصاد والمؤسسات، وخلق بيئة تمنع عودة الصراع.
ويمكن أن يبدأ المشروع بإنشاء صندوق خليجي لإعادة الإعمار والتنمية، يمول على مدى 2027–2040 مشاريع الكهرباء والمياه والموانئ والمطارات والطرق والتعليم والصحة، إلى جانب المناطق الصناعية والاقتصادية، والطاقة المتجددة، والزراعة، والثروة السمكية، والسياحة والخدمات اللوجستية.
ويمثل الجنوب العربي نقطة انطلاق مهمة بحكم موقعه على بحر العرب وخليج عدن وباب المندب، وما يمتلكه من موانئ وموارد وفرص استثمارية. ويمكن ربط عدن وحضرموت وشبوة والمهرة وسقطرى بمنظومة اقتصادية خليجية تمتد إلى البحر الأحمر وشرق أفريقيا والمحيط الهندي.
إن الهدف الحقيقي بناء اقتصاد يتجاوز اقتصاد الحرب؛ اقتصاد ينتج الوظائف، ويجذب الاستثمار، ويربط اليمن بمحيطه الخليجي، ويحوّل موقعه الجغرافي وثرواته البشرية والطبيعية إلى عناصر إنتاج واستقرار.
غير أن التنمية لن تنجح من دون تسوية سياسية عادلة تعالج جذور الصراع، وتحفظ حقوق مختلف المكونات، وتضمن توزيعًا عادلًا للثروة والتنمية. فإعادة بناء الطرق والموانئ والكهرباء لا تكفي وحدها لبناء سلام مستدام إذا بقيت جذور الصراع السياسي والاقتصادي دون معالجة.
وقد يكون عام 2027 نقطة بداية لعقد جديد، ينتقل فيه الخليج من إدارة الأزمة إلى بناء المستقبل، ومن تمويل الاحتياجات إلى بناء القدرات، ومن إعادة الإعمار إلى بناء اقتصاد إقليمي متكامل:
من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد السلام، ومن إدارة الأزمة إلى بناء المستقبل