آخر تحديث :الإثنين - 07 سبتمبر 2026 - 11:06 م

كتابات واقلام


القوات الجنوبية والدفاع المتقدم.. حين تُقرأ المعركة بعقل الدولة

الإثنين - 07 سبتمبر 2026 - الساعة 10:27 م

أحمد الغيثي
بقلم: أحمد الغيثي - ارشيف الكاتب


من الطبيعي أن يحرص أبناء الجنوب على قواتهم المسلحة، وأن تثير أي تحركات خارج نطاق المحافظات الجنوبية تساؤلات ومخاوف مشروعة. لكن هذا الحرص ينبغي أن يبقى في إطار القراءة الهادئة للمشهد، وألا يتحول إلى شك دائم أو استباق للأحكام؛ فالدول والقوى التي تفكر بعقل استراتيجي لا تنتظر الخطر حتى يصل إلى حدودها، بل تعمل على إبعاده عنها متى توافرت المصلحة والقدرة.

ومن هنا يمكن قراءة مشاركة القوات الجنوبية في جبهات مواجهة الحوثيين خارج الجنوب ضمن مفهوم الدفاع المتقدم؛ أي مواجهة مصدر التهديد في مساحات أبعد، بدل انتظار انتقاله إلى خطوط التماس في الضالع وشبوة وحريب وغيرها. فالجغرافيا المحيطة بالجنوب ترتبط مباشرة بأمنه، وأي تمدد عسكري معادٍ في المناطق المجاورة قد ينعكس لاحقًا على أمن المحافظات الجنوبية واستقرارها.

وفي الجانب العسكري، تمنح هذه الجبهات القوات خبرة عملياتية أوسع، وتزيد قدرتها على التعامل مع تضاريس وأساليب قتال مختلفة، وتختبر جاهزيتها خارج نطاق انتشارها التقليدي. فالقوة العسكرية لا تُبنى بالانتشار داخل الثكنات فقط، بل بالتدريب والخبرة والانضباط والقدرة على تنفيذ المهام في ظروف متعددة.

أما سياسيًا، فالمعادلة واضحة: الحضور المؤثر على الأرض يصنع وزنًا لا يمكن تجاهله على طاولة السياسة. وكلما أثبتت القوات الجنوبية قدرتها على حماية الأمن ومواجهة التهديدات وأداء مهامها بانضباط، تعزز حضور الجنوب في أي ترتيبات سياسية أو أمنية قادمة، وأصبح التعامل معه قائمًا على واقع ميداني له ثقله وتأثيره.

وفي الوقت نفسه، فإن هذا الحضور يبعث برسالة إلى القوى الإقليمية والدولية بأن الجنوب قادر على الإسهام في أمن المنطقة ومواجهة الإرهاب والتهريب والتهديدات العابرة للحدود، مع تمسك شعبه بقضيته ومصالحه وتطلعاته السياسية.

غير أن نجاح أي تحرك عسكري يبقى مرهونًا بوضوح الهدف السياسي والعائد الاستراتيجي، وألا يتحول إلى استنزاف مفتوح أو يأتي على حساب أمن الجنوب وجاهزية قواته في الداخل. فالقوة العسكرية تبلغ قيمتها الحقيقية حين تكون أداة في خدمة مشروع سياسي واضح، يعرف متى يتحرك، ولماذا يتحرك، وأين تتوقف حدود المصلحة.

في النهاية، ليست المسألة في أن تكون المعركة داخل الجنوب أو خارجه، بل في أن يكون القرار محسوبًا، والهدف واضحًا، والمردود أكبر من الكلفة.

وهذه هي المعادلة التي ينبغي أن تُقرأ بعقل الدولة: حماية الجنوب لا تبدأ دائمًا من حدوده، لكنها يجب أن تنتهي دائمًا عند مصلحته.