آخر تحديث :الإثنين - 07 سبتمبر 2026 - 11:06 م

كتابات واقلام


موقفي من الحرب... لم يتغير ولن يتغير

الإثنين - 07 سبتمبر 2026 - الساعة 10:32 م

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


لم أغيّر موقفي من الحرب الدائرة في اليمن، ولن أغيّره.
ليس لأنني أهوى الحرب، ولا لأنني أبحث عن انتصار لطرف على حساب طرف، وإنما لأنني صاحب قضية، وصاحب القضية لا يبدّل موقفه كلما تبدّلت موازين القوى، ولا يعيد تعريف قناعاته وفقًا لما تريده العواصم أو تفرضه الظروف.
أنا مع السلام، لكنني لست مع سلامٍ يُبنى على مصادرة الحق.
وأرفض الحرب، لكنني أرفض كذلك أن تتحول الحرب إلى وسيلة لإعادة إنتاج واقع سياسي لا يقبله شعب الجنوب.
لقد تحولت الحرب اليمنية منذ سنوات إلى صراع شديد التعقيد، تتداخل فيه قوى محلية وإقليمية، وتتقاطع فيه مصالح متعددة، حتى بات من الصعب اختزالها في عنوان واحد أو طرفين فقط.
لكن وسط كل هذا التعقيد، هناك بالنسبة لي قضية واضحة لا لبس فيها:
قضية الجنوب.
ولهذا أقولها بوضوح، ومن دون مواربة:
لن أقبل أي حرب تتجاوز حدود الجنوب.
ولا أقبل أن يكون الجنوب ساحةً مفتوحةً لأي قوة شمالية، أياً كان اسمها أو شعارها أو صفتها أو الجهة التي تقف خلفها.
فالحدود ليست وجهة نظر، والأرض ليست ورقة تفاوض، ودماء الجنوبيين ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه في غرف السياسة.
إذا كان الحوثي يريد أن يخوض حربه، فليخضها حيث يريد، وإذا كانت القوى الشمالية المتحالفة معه أو المناوئة له تريد أن تتقاتل، فذلك شأنها، لكنني لا أقبل أن تتحول أرض الجنوب إلى ميدان لحروب الآخرين.
الجنوب ليس جائزة حرب، ولا غنيمة سياسية، ولا منطقة عازلة بين المتصارعين.
ومن هنا يأتي موقفي من السعودية.
أنا لا أرى السعودية عدواً لمجرد أنها السعودية، ولا أتعامل معها بمنطق الكراهية أو الخصومة العمياء.
السعودية دولة جارة، وستظل دولة جارة.
وللجار حقوقه، كما عليه واجباته.
نحترم حق الجوار، ونحترم أمن السعودية واستقرارها، ونرفض أن تكون أراضيها أو أمنها عرضةً للاعتداء.
لكن الاحترام يجب أن يكون متبادلاً.
وكما نطالب بأن تُحترم حدود السعودية وسيادتها، فإننا نطالب بأن تُحترم سيادة الجنوب وحق شعبه في تقرير مستقبله.
لا أقبل الوصاية السعودية على الجنوب، كما لا أقبل وصاية أي دولة أخرى عليه.
لا اليوم، ولا غداً، ولا تحت أي عنوان.
فالوصاية، مهما كان مصدرها، تبقى وصاية.
وقد يختلف الناس حول شكل الدولة القادمة، وحول تفاصيل الحل السياسي، وحول الأدوات والوسائل، لكن لا يمكن أن يكون مستقبل الجنوب مرهوناً بإرادة عاصمة خارج حدوده.
السعودية تستطيع أن تكون جاراً وشريكاً وصديقاً، وأن تفتح صفحة جديدة تقوم على المصالح المشتركة وحسن الجوار والاحترام المتبادل.
لكنها لا تستطيع أن تكون وصياً على الجنوب.
وهذا ليس موقفاً عدائياً تجاه السعودية، بل هو موقف من مفهوم الوصاية ذاته.
فالجنوب الذي يطالب بحقه في تقرير مصيره لا يمكنه، في الوقت نفسه، أن يقبل أن يقرر الآخرون عنه.
وأقول للسعودية بكل وضوح:
ارفعوا أيديكم عن الجنوب، وسيكون الجنوب أول من يحرص على حسن الجوار.
نحن لا نريد حدوداً ملتهبة، ولا نريد عداءً مع الجيران، ولا نريد حرباً مفتوحة.
نريد جنوباً آمناً، مستقراً، سيداً على أرضه، وقادراً على بناء علاقاته مع جيرانه على أساس الندية والاحترام والمصالح المشتركة.
أما أن يُطلب منا أن نقبل بالوصاية مقابل الأمن، أو نتنازل عن قضيتنا مقابل الاستقرار، أو نغض الطرف عن حقنا مقابل ترتيبات سياسية مؤقتة، فذلك أمر لن أقبله.
أنا صاحب قضية، ولن أتخلى عنها ما حييت.
وقد أختلف مع رفاق القضية في الوسائل، وقد أنتقد بعض المواقف، وقد أرفض بعض السياسات، لكنني لن أخلط بين الاختلاف في الطريق والتخلي عن الهدف.
إن الجنوب بالنسبة لي ليس شعاراً موسمياً، ولا ورقة سياسية أستخدمها عندما أحتاجها وأتخلى عنها عندما تتغير الظروف.
إنه قضية عمر.
ولهذا سيظل موقفي ثابتاً:
لا للحرب على الجنوب.
لا لعودة أي قوة شمالية إلى أرض الجنوب.
لا للوصاية السعودية أو غيرها.
نعم لحسن الجوار.
نعم للعلاقات المتوازنة.
نعم لسيادة الجنوب وحق شعبه في تقرير مستقبله.
فالسلام الحقيقي لا يعني أن يتنازل صاحب الحق عن حقه كي يرضى الآخرون.
والجوار الحقيقي لا يعني أن يكون أحد الجيران وصياً على جاره.
والشراكة الحقيقية لا تقوم على التبعية.
أما أنا، فسأبقى حيث كنت:
مع قضيتي، ومع حق شعبي، وضد الحرب حين تُفرض على أرض الجنوب... وضد الوصاية أياً كان صاحبها.