آخر تحديث :الأحد - 13 سبتمبر 2026 - 02:49 م

كتابات واقلام


كنا نظنهم قيادات .. فإذا بالمناصب تكشف حقيقة المواقف

الأحد - 13 سبتمبر 2026 - الساعة 01:58 م

عماد باحميش
بقلم: عماد باحميش - ارشيف الكاتب




كنا نظنهم قيادات وننظر إليهم باعتبارهم جزءاً من مشروع سياسي يحمل قضية، ومواقف، وتضحيات، لا مجرد أسماء تبحث عن موقع في المشهد فقد كانوا في مقدمة الصفوف داخل المجلس الانتقالي الجنوبي يتحدثون باسمه ويدافعون عن خياراته ويقدمون أنفسهم باعتبارهم من أصحاب المشروع الذين سيظلون أوفياء له مهما تبدلت الظروف وتغيرت موازين القوة.

ومع مرور الوقت تمكن بعض هؤلاء من الوصول إلى مواقع ومناصب مهمة وكان وصولهم ينظر إليه في حينه باعتباره امتداد لحضور المشروع وتمثيل له في مؤسسات الدولة غير أن المفارقة بدأت تظهر بعد الوصول إذ سرعان ما تبدلت بعض المواقف وتغيرت الخطابات وأصبح من كانوا بالأمس في مقدمة المدافعين عن المجلس ومشروعه من أكثر المتنصلين منه عندما أصبحت مواقعهم ومصالحهم مرتبطة بحسابات جديدة.

المشكلة هنا ليست في اختلاف المواقف فالسياسة بطبيعتها مساحة واسعة للاجتهاد والاختلاف ومن حق أي شخص أن يعيد النظر في قناعاته ومواقفه لكن المشكلة تكمن في أن يتحول الانتماء إلى وسيلة للوصول ثم يصبح التخلي عنه أول خطوة بعد تحقيق الغاية فهناك فارق كبير بين شخص غيّر موقفه نتيجة قناعة سياسية وبين شخص تغير موقفه لأن موقعه الجديد اقتضى منه ذلك.

والأكثر إيلاماً أن بعض من تحدثوا طويلاً عن الوفاء والشراكة والعهد أصبحوا بعد الوصول جزءاً من مشهد يتجاوز تلك المبادئ التي طالما تحدثوا عنها وكأن العهد كان مرتبط بمرحلة معينة وكأن الشراكة تنتهي بمجرد أن يصبح الموقع الشخصي أكثر أهمية من المشروع الذي كان سبب في الوصول إليه.

وما يثير الأسف أكثر أن نراهم اليوم في الصفوف الأولى إلى جانب مكونات وقوى أخرى تتخذ مواقف معارضة للمجلس الانتقالي الجنوبي وقياداته بعد أن كانوا بالأمس في مقدمة صفوفه والمدافعين عن مشروعه قد يكون من حقهم أن يختلفوا سياسياً لكن المشهد يترك سؤال مشروع لدى من تابعوا مسيرتهم: هل كان ذلك الانتماء موقف راسخ أم مجرد محطة في طريق الوصول؟

إن المناصب لا تصنع القيادات وإنما تكشف حقيقة القيادات فالإنسان قبل المنصب قد يتحدث كثير عن المبادئ لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد أن يصبح في موقع يستطيع فيه أن يختار بين مصلحته الخاصة وبين الموقف الذي آمن به الناس من خلاله وهنا تحديداً يظهر الفرق بين من يحمل قضية ومن يستخدم القضية للوصول إلى غايته.

ولعل ما يحدث اليوم يستحق التوقف عنده ليس بهدف تصفية الحسابات أو توزيع الاتهامات وإنما من أجل قراءة تجربة سياسية كشفت أن بعض الأشخاص كانوا أوفياء للمشروع ما دام المشروع طريق إلى مواقعهم، بينما ظل آخرون أوفياء له حتى عندما أصبحت مواقفهم أكثر كلفة وأقل فائدة من الناحية الشخصية.

فالقيادة الحقيقية لا تقاس بعدد المناصب التي وصل إليها الشخص ولا بحجم النفوذ الذي أصبح يمتلكه وإنما بقدرته على الحفاظ على مواقفه عندما تتغير الظروف ومن السهل أن تكون مع المشروع وأنت في صفوفه الأولى لكن الصعب أن تبقى وفي له عندما تصبح في موقع تستطيع فيه أن تتخلى عنه دون أن تدفع ثمن مباشر.

ولهذا فإن السؤال الذي تفرضه هذه التجربة ليس: من كان قيادي؟ بل من أثبت أنه كان يحمل موقف حقيقي؟ ومن كان يحمل مشروع ومن كان يحمل نفسه عبر المشروع؟ فالتاريخ السياسي لا يتوقف طويلاً أمام الألقاب والمناصب لكنه يتوقف عند المواقف التي اتخذها أصحابها في اللحظات الفاصلة.

وقد ينجح الإنسان في الوصول إلى المنصب وقد يحقق ما كان يسعى إليه لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه نجح في اختبار القيادة ، فالمنصب مرحلة والنفوذ متغير والمواقع قابلة للتبدل أما المواقف فهي التي تبقى شاهدة على أصحابها.

كنا نظنهم قيادات فإذا بالمناصب تكشف لنا أن بعضهم كان يجيد الوصول أكثر مما يجيد الوفاء.