آخر تحديث :الأحد - 13 سبتمبر 2026 - 10:20 م

كتابات واقلام


مواقف وتناقضات ما لا تتحمله أرض

الأحد - 13 سبتمبر 2026 - الساعة 09:45 م

احمد عبداللاه
بقلم: احمد عبداللاه - ارشيف الكاتب


حجم السرديات الإعلامية، وتبادل الاتهامات الفظيعة حول ما جرى في الساحل الغربي، يكشفان أن أنصار الله ليسوا، لدى البعض، العدو الأول دائماً، فالأولوية تبدو أحياناً لتصفية الحسابات بين الشركاء، وبعدها "يحلها ألف حلال".

والمفارقة أن الانسحابات والتراجعات رافقت حرب اليمن منذ دخول أنصار الله صنعاء ثم استمرت خلال سنوات عاصفة الحزم في مسارات "نحن هنا أين أنتم"…
فقد سُلّمت مدن ومرتفعات وتباب وصحارى، وتراجعت جبهات حتى وصل أنصار الله إلى بوابات مأرب.
ومع ذلك مر كثير من تلك الوقائع من دون محاكمات إعلامية مماثلة، بل حظي بعضها بتبريرات بكل ألوان الطيف السياسي والإعلامي.

ذلك لأن موازين النجاح والفشل في هذه الحرب لا تصنعها الجبهات وحدها وإنما تصنعها أيضاً ترسانة إعلامية هائلة، قادرة على صياغة الرواية وتحديد زاوية النظر إلى الحدث، بل وقد تسبق الحدث نفسه، ثم توزع أدوار البطولة والهزيمة هنا وهناك.

أما كبار قيادات الشرعية وكبار الساسة، فقد ظلت جماجم بعضهم معلقة بموروث التاريخ وصراعاته القديمة فيما ملأت المناصب أفواه آخرين بماء ساخن فأحجموا عن قول الحقيقة كما ينبغي، إلا من وراء أغطية مجازية ومقولات صعبة الهضم.

وبين هؤلاء وأولئك، ظهر مثقفون وساردون يكتبون على هوى الأحزاب والجهات، مع لمسة فنية تمنح الانحياز ثوب "حرية الرأي".

أي أن هناك من المواقف والتناقضات ما لا تتحمله أرض.

بمعنى آخر، لم تكن الحرب اليمنية يوماً صراعاً بسيطاً بين جبهتين، أنصار الله في جهة، والشرعية في الجهة المقابلة. فقد عايشنا صراعات مريرة داخل معسكر الشرعية نفسه وحوله، وتشابكت معها ولاءات ومصالح إقليمية متعددة ومعروفة، لكل منها حسابات وأولويات وأدوات.

ومن هنا، يتعين النظر إلى ما يجري باعتباره حرباً تدور في بيئة شديدة التعقيد، وفي فضاء إعلامي مفتوح يستطيع توظيف الأحداث وتضخيم بعضها وتهميش بعضها الآخر، بل وإعادة تشكيل الوقائع في الوعي العام.

ولم تعد هناك حدود واضحة تفصل بين الأهداف الداخلية والمصالح الخارجية، بل يبدو، في كثير من الأحيان، أن الثانية باتت تسبق الأولى وتعيد تشكيلها.

ولذلك، قد يسجل التاريخ أن أغرب جبهات حرب اليمن لم تكن في الجبال والصحارى، بل في الإعلام، حيث باتت الرواية الإعلامية تقرر أحياناً من هو المقدام ومن هو الهارب، ومن هو الثابت على الخطوط ومن هو سريع الانكسار، حتى اختلطت الرواية بالواقعة، وانتقل هذا الخلط، في بعض الأحيان إلى دوائر التحليل السياسي والعسكري نفسها.

وتلك ربما كانت إحدى أثمن الأوراق التي امتلكها أنصار الله طوال هذه الحرب، فخصومهم الذين اخفقوا في محاربتهم، انشغلوا بمحاربة بعضهم بعضاً، وبصناعة الروايات ضد بعضهم، وتصفية حساباتهم داخل المعسكر ذاته، حتى وفروا على خصمهم جزءاً كبيراً من الجهد.
وفي حرب كهذه قد لا يكون السؤال الأهم دائماً، من خسر المعركة؟ وانما من صاحب الرواية وما أصلها؟
#أحمـــــــــــدع