آخر تحديث :الأحد - 20 سبتمبر 2026 - 05:59 م

كتابات واقلام


الجنوب العربي: حقٌّ يُحاصَر، وتهديدٌ يُفاوَض

الأحد - 20 سبتمبر 2026 - الساعة 05:30 م

صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص - ارشيف الكاتب


في المعادلات الإقليمية، نادرًا ما تُقاس التحالفات بشرعية القضايا، بل بجدوى المصالح. وربما لا يجد هذا الدرس تعبيرًا أوضح من مشهد اليمن والجنوب العربي؛ حيث يُدعى من يقصف المدن السعودية إلى طاولة الحوار، بينما يُحاصر من يؤمّن باب المندب ويقدّم أبناءه درعًا في مواجهة الإرهاب. مفارقة تكشف أن المسألة ليست أمنًا فقط، بل اختيارًا سياسيًا.

الحوثي هو من قصف المطارات والمدن السعودية، وهو من شكّل ولا يزال تهديدًا مباشرًا للأمن القومي السعودي. ومع ذلك، تتفهم الرياض مطالب الحوثي، وتتعاطى مع حكومة الشرعية كطرف قابل للحوار، وتدفع نحو بحث قضيته. لكنها في المقابل ترفض طرح القضية الجنوبية أو حتى مناقشتها، مع أن هذه القضية ليست وليدة اللحظة؛ إنها مطروحة منذ احتلال الجنوب عام 1994، وتقوم على حق مشروع باستعادة الدولة الجنوبية وعاصمتها عدن. حق لا يشكّل تهديدًا للأمن السعودي، بل على العكس، كان يمكن أن يكون ركيزة استقرار في الجنوب.

لقد أقام الجنوبيون دولة، جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وكانت عضوًا في الأمم المتحدة والجامعة العربية قبل عام 1990. وحين وقع الاحتلال في 1994، تحوّل المطلب إلى استعادة حق مسلوب، لا إلى مشروع عدائي. وشارك الجنوبيون في تحرير الشمال، مع أن تحرير الشمال شأن يخص أبناء الجمهورية العربية اليمنية، وحصلوا على وعود من التحالف العربي بقيادة السعودية بتحقيق هدفهم المنشود. لكن الوعود ذابت، وبقي الجنوبيون يدفعون الفاتورة.

على الأرض، ساهمت القوات المسلحة الجنوبية في تأمين باب المندب، وتعزيز الأمن والاستقرار، ومحاربة الإرهاب، وتطهير المدن. وقد امتدت جهودها إلى حضرموت والمهرة، حيث تحرّر وادي حضرموت من سيطرة القوات الشمالية، ما ساهم في قطع شريان تهريب السلاح الإيراني إلى الحوثي عبر سلطنة عمان. واستقبل المواطنون هناك القوات الجنوبية بالورود، لأنها وضعت حدًا للاغتيالات والنهب والتهريب السري للنفط. هذا ليس سردًا انتصاريًا، بل واقع ميداني يفسّر لماذا يرى الجنوبيون أنهم قدّموا الأمن للآخرين، ثم وجدوا أنفسهم خارج الحساب.

ثم جاء اتفاق الرياض في نوفمبر 2019، بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي، بضمانة سعودية. كان يفترض أن يُنفّذ في العام نفسه، وبشكل سلمي، لكنه بقي حبرًا على ورق لأكثر من ست سنوات. والأخطر، أن السعودية لم تكتفِ بالمماطلة، بل قصفت القوات المسلحة الجنوبية في حضرموت والمهرة، وقتلت المئات من الجنود، في محاولة لإخراجها بالقوة بحجة أنها تشكّل تهديدًا للأمن القومي السعودي. مع أن انتشار هذه القوات هناك جاء وفقًا لاتفاق الرياض نفسه، ولم تقصف الرياض القوات الشمالية أو تخرجها من تلك المحافظات كما ينص الاتفاق، رغم أنها الضامن لتنفيذه.

هنا يتكشّف جوهر الأزمة: الاتفاق لم يُنفّذ، بل أُفرغ من مضمونه. وبدلًا من دعم شريك ميداني أثبت جدواه، سعت الرياض إلى الانتقام من الرئيس عيدروس الزبيدي، ومحاولة حل المجلس الانتقالي الجنوبي، وإخراج الإمارات من المعادلة الجنوبية، وفرض نفسها حليفًا وحيدًا. وهكذا تحوّل التحرير إلى وصاية، والنصر إلى فاتورة، والدولة إلى وعد مؤجل. الجنوبيون لم يُهزموا في الميدان، لكن حليفهم أُخرج من المعادلة، فانكسر ظهر المشروع، وصاروا الضحية التي لا تُذكر في تفاهمات الكبار.

والأخطر من ذلك كله، أن عدم التزام السعودية باتفاق الرياض، واستبداله بتفاهمات سرية مع الحوثي في مسقط، أدّى إلى تقويض الأمن والاستقرار في الجنوب، وساهم في تمكين الحوثيين من السيطرة على المخا والمناطق الساحلية، وصولًا إلى باب المندب. وبعد أن تمكن الحوثي، يُطلب من القوات المسلحة الجنوبية أن تخوض معركة استعادة تلك المناطق، في حرب يرى الجنوبيون أنها ليست سوى محرقة لاستنزافهم وقتل أبنائهم.

لا أحد يطلب من الرياض أن تتبنى القضية الجنوبية بدافع عاطفي، لكن السياسة العاقلة تقتضي أن تعترف بالحقائق. الجنوب ليس تهديدًا، بل كان يمكن أن يكون حليفًا استراتيجيًا. والمشكلة ليست في شرعية المطالب الجنوبية، بل في سياسة إقليمية تتعامل مع الحلفاء كأدوات، ومع الحقوق كأوراق تفاوض. فبينما يُدعى من يهدّد الأمن إلى الطاولة، يُترك من يحميه خارج الغرفة. وهذه معادلة لن تنتج استقرارًا، بل مزيدًا من الفوضى، ووعدًا مؤجلًا يدفع ثمنه الجنوبيون وحدهم.