آخر تحديث :السبت - 26 سبتمبر 2026 - 04:04 م

كتابات واقلام


دمّروا تعز كي تحكم صنعاء.. على مذبح (اليمننة)

السبت - 26 سبتمبر 2026 - الساعة 03:18 م

أوسان بن سدة
بقلم: أوسان بن سدة - ارشيف الكاتب


ونحن على أبواب ذكرى ثورة 26 سبتمبر، تبدو مفارقة التاريخ أكثر قسوة في تعز، المدينة التي احتضنت الأحرار وكانت مرتكزاً للثورة على الإمامة، تجد نفسها بعد أكثر من ستة عقود محاصرة أمام مشروع حوثي يعيد كثيراً مما ظن اليمنيون أن سبتمبر قد دفنه.

لكن حكاية تعز أقدم من الجمهورية. ففي صلح دعان عام 1911 كان يحيى حميد الدين (إمام الزيدية)، قبل أن يفتح انهيار الدولة العثمانية عام 1918 الطريق أمام انتقال مشروعه من مجاله الزيدي المذهبي إلى دولة متوكلية هاشمية توسعت جغرافياً وسياسياً، وصولاً إلى (المملكة المتوكلية اليمنية). وهنا بدأت ما أسميه (اليمننة)، لا اسم اليمن ولا هوية أهله في دلالتها الجغرافية، بل تحويلهما إلى مشروع سياسي يقول ببساطة، كل أرض نعدّها يمنية يجب أن تتبع صنعاء، وضمها (وحدة)، ورفض ذلك (انفصال) أو (ردة) بمعناها الديني.

وكانت تعز وإب، قلب إقليم (اليمن الأسفل) كما عُرف في وثائق ومصادر تلك المرحلة، أول اختبار كبير لهذا المشروع. فلم تدخلا بيت الطاعة الإمامي صاغرتين، فمن المقاطرة والحجرية إلى تحركات مشايخ تعز وإب في عشرينيات القرن الماضي، تراكم الرفض حتى أصبحت تعز حاضنة للأحرار ومرتكزاً لثورة سبتمبر.

ولم تتوقف شهية المشروع عند تعز، فامتدت دولة الإمام إلى تهامة ودخلت في صراع مع الأدارسة، وحمل الإمام تصوراً لـ(اليمن الأكبر) امتدت مطالبه نحو سلطنات الجنوب العربي وعسير وجيزان ونجران. وهنا يظهر خطر (اليمننة)، تبدأ باعتبار أرض الآخر (يمنية)، ثم يصبح ضمها استعادةً، وإخضاعها وحدةً، ورفض ذلك تمرداً أو انفصالاً.

جاء سبتمبر 1962 وأسقط الإمام وحكم السلالة، لكنه لم يسقط كل ما صنعته الإمامة من مفهوم للدولة والجغرافيا. وبعد الحرب والمصالحة بين الجمهوريين والملكيين، انتقلت السلطة من بيوت السلالة إلى تحالف القبيلة والعسكر. تغيّرت العمامة إلى البزة العسكرية وربطة العنق، لكن أهم مرتكزات العقيدة السياسية للإمامة بقيت حاضرة في بنية السلطة، احتكار القوة، وهيمنة المركز، وإقصاء تعز وإب وتهامة عن القرار الحقيقي. ثم جاءت (الوحدة) عام 1990 لتوسع جغرافيا الدولة، قبل أن تحولها حرب 1994 من شراكة بين دولتين إلى واقع تهيمن عليه سلطة واحدة مفروضه بالقوة.

وهنا المفارقة الأخطر، حين استولى الحوثي على صنعاء لم يحتج إلى إعادة المملكة المتوكلية، فقد وجد ما هو أكبر منها، (جمهورية يمنية) بمؤسساتها وجيشها وحدودها، و(وحدة) أضافت الجنوب إلى خريطتها السياسية. احتفظ باسم الجمهورية وخطاب الدولة والسيادة والوحدة، ووضع فوقها سلطته السلالية. وهكذا ورث الحوثي ما لم يكن متاحاً للإمام، دولة أوسع وخريطة أكبر يستطيع التحرك باسمهما، لا باسم جماعة خرجت من صعدة.

ولهذا كانت تعز عقبة. قاومت الحوثيين واستعاد ابناءها بمقاومتهم الشريفة معظم المدينة، بينما بقي الحوثيون ممسكين بمداخل ومناطق مهمة واستنزفوها بالحصار، ثم دخلت مقاومتها في حسابات الأحزاب والصراع على صنعاء، وأُبعدت تدريجياً عن إرث تعز السياسي والحضاري. فعادت المدينة تدفع دمها في السؤال القديم، (من يحكم صنعاء؟)، بينما بقي السؤال الأهم مؤجلاً، (من يحكم تعز ولمصلحة من؟).

أما الجنوب العربي، فهنا يظهر أخطر ما ورثه الحوثي من الدولة السابقة، (الوحدة). فالجنوب دخل عام 1990 كدولة في وحدة مع دولة أخرى، لا كإقليم عاد إلى صنعاء. وبقاء (الوحدة) مفروضة كأمر واقع لا يمنح الحوثيين ذريعة لاعتبار الجنوب جزءاً من دولتهم فحسب، بل يترك فريسة محتملة لمشروعهم، إذا تمكن من فرض سلطته، جغرافيا أوسع وموارد أكبر وموقعاً استراتيجياً يمتد إلى باب المندب وخليج عدن وبحر العرب، بما يضاعف قدرته على التأثير والتهديد إقليمياً ودولياً. وفي المقابل، فإن نزع (الوحدة) كذريعة للهيمنة يحصر هذا المشروع في جغرافيا أضيق، وينزع منه عمقاً وموارد ومنافذ استراتيجية، ويجعل احتواء مخاطره والتعامل معها أكثر قابلية للإدارة.

وهنا تتضح (اليمننة)، فهي ليست اليمن الجغرافي ولا اليمنيين، بل تحويل اسم اليمن إلى حق في الأرض، والجمهورية إلى غطاء للسلطة، و(الوحدة) إلى حجة للهيمنة على أرض وشعب وثروة، ثم وصف الرافض بالانفصالي أو المتمرد. مارس الإمام نسخته تحت المملكة، وورثت الجمهورية جغرافيتها، ووسعتها الوحدة، ثم جاء الحوثي ليستولي على الحصيلة كلها ويوظفها لمشروعه العقائدي.

وهذا ما يجعل خطر الحوثي اليوم أكبر من مجرد استعادة شكل الإمامة القديمة، فهو لا يعود إلى حدود دولة الإمام، بل يسعى إلى توظيف دولة الجمهورية ومؤسساتها وخريطة الوحدة لمشروعه. وإذا امتلك فائض القوة، فإن تاريخ (اليمن الأكبر) والمطالب القديمة التي تجاوزت حدود دولة صنعاء يجعل السؤال مشروعاً، أين يمكن أن تتوقف حدود هذه الفكرة التوسعية وخطرها ؟
لذلك ربما آن لتعز أن تغيّر السؤال من (من يحكم صنعاء؟) إلى (من يحكم تعز ولمصلحة من؟)، وآن للجنوب أن يدرك أن إسقاط استخدام (الوحدة) كذريعة للهيمنة لا يتعلق بمستقبله وحده، بل ينزع واحداً من أهم الأغطية السياسية والجغرافية التي يستطيع أي مشروع توسعي في صنعاء استخدامها، ويحد من قدرته على تحويل خطر محلي إلى تهديد للجزيرة العربية والممرات البحرية والأمن الإقليمي والدولي.

ولهذا يسعى الحوثي إلى كسر تعز كي يحكم صنعاء، على مذبح (اليمننة)، وما يجري فيها قد لا يكون خاتمة مشروعه، بل نموذجاً لما يمكن أن يتكرر كلما اتسعت جغرافيته وامتلك فائض القوة.

أوسان بن سدة
سياسي واعلامي جنوبي