آخر تحديث :الجمعة - 25 سبتمبر 2026 - 10:25 م

كتابات واقلام


السعودية ووحدة اليمن: لماذا تتمسك الرياض بما لا تؤمن به؟

الجمعة - 25 سبتمبر 2026 - الساعة 10:14 م

صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص - ارشيف الكاتب


تصريح وزير الخارجية السعودي أمس بأن أولويات المملكة تنصب على وحدة اليمن ليس تصريحًا عابرًا، ولا جاء من فراغ. إنه يعيد فتح سؤال قديم ظل يطارد المشهد اليمني منذ عقود: لماذا تتمسك الرياض بوحدة اليمن؟ وهل هي مع الوحدة فعلًا، أم مع مصالحها وصفقاتها الإقليمية؟ وما الذي منع الجنوبيين من استعادة دولتهم، جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وعاصمتها عدن، طوال أكثر من ثلاثة عقود؟

السعودية لم تكن يومًا مع وحدة اليمن بقدر ما كانت تعمل على العكس تمامًا، وذلك عملًا بوصية مؤسس المملكة التي تحث على عدم السماح لليمن بالاستقرار، وخلق النزاعات والصراعات بشكل دائم ومستمر حتى يظل اليمنيون مشغولين بأنفسهم. وتلك الوصية اختصرت كل شيء بعبارة قاسية: «خيركم في أذى اليمن، وشركم في رخائه». وما حدث ويحدث في اليمن على مدى أكثر من عشر سنوات، ووصول الحالة إلى ما وصلت إليه اليوم، يؤكد هذه الحقيقة، بل يعد ترسيخًا لها.

لقد أعلن الرئيس الجنوبي علي سالم البيض في عام 1994 فك الارتباط وعودة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وعاصمتها عدن. يومها وقفت مصر ودول الخليج، باستثناء قطر، مع الجنوب، وأصدرت دول مجلس التعاون الخليجي بيانًا في يونيو 1994، خلال حرب صيف ذلك العام، أكدت فيه رفضها المطلق لفرض الوحدة بالقوة، ودعت إلى الوقف الفوري لإطلاق النار وحل الخلافات بالطرق السلمية. لكن ذلك لم يُحترم. فنجح نظام صنعاء في منع الجنوبيين من استعادة دولتهم، واحتلال الجنوب وفرض الوحدة بالقوة، بدعم عسكري من العراق والأردن، وشراء مواقف بعض الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، عبر منح شركاتها النفطية امتيازات كبيرة، مقابل تمكين الشمال من السيطرة على الجنوب ونهب ثرواته. وقد تدخلت واشنطن بقوة، وطلبت من دول الخليج عدم تقديم دعم عسكري للجنوب، لا سيما وأن ملك الأردن نجح في إقناع إسرائيل بدعم تمكين الشمال من احتلال الجنوب، مقابل الحصول على بعض المكاسب الخاصة باليهود في اليمن.

ثم جاء عام 2000 ليضع النقاط على الحروف. فبعد أن فرضت أمريكا على السعودية استمرار الوحدة ومنع الجنوبيين من الاستقلال، وجدت الرياض نفسها وقد خرجت من المولد بلا حمص. وقالت حينها: طالما أن أمريكا حصلت على نصيبها من الكعكة الجنوبية الثمينة، وحتى إسرائيل نالت ما تريده في اليمن، فلا بد أن تحصل السعودية أيضًا على ما تريده. فبدأت تدعم الأصوات والأحزاب والقوى الجنوبية المعارضة لاحتلال الشمال للجنوب، والمطالبة باستقلال الجنوب واستعادة دولته وعاصمتها عدن. ونجحت من خلال هذه الخطة في إجبار الرئيس علي عبدالله صالح ونظام صنعاء على توقيع معاهد جدة عام 2000، التي تنازل بموجبها اليمن للسعودية عن أراضٍ جنوبية وشمالية، مثل جيزان ونجران وعسير والشرورة والوديعة وخرخير وعروق الشيبة وغيرها، مقابل أن تكون السعودية مع وحدة اليمن.

وهنا يتكشف السر. فاليوم، عندما يصرح وزير الخارجية السعودي بأن أولويات المملكة تنصب على وحدة اليمن، فهو مجبر على ذلك، حرصًا على المكاسب التي تحققت للسعودية من صفقة ترسيم الحدود عام 2000. فالرياض لا تريد استقلال الجنوب، ولا استعادة دولته وعاصمتها عدن، لأن ذلك سيعيد فتح كل الملفات، ويهدد ما حصلت عليه من تنازلات حدودية وثروات.

أما في عام 2026، فقد طعنوا وغدروا بالإمارات والجنوب، وأخرجوا الإمارات من الجنوب العربي، ومنعوا تقديم الدعم للقوات المسلحة الجنوبية والمجلس الانتقالي الجنوبي. وجعلوا الطيران السعودي يقصف ويقتل مئات الجنود من القوات المسلحة الجنوبية في محافظات حضرموت والمهرة، ويخرجها بالقوة. كما لم يلتزموا باتفاق الرياض المبرم بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي في نوفمبر 2019، ويسعون إلى استبداله باتفاق مسقط السري بين الحوثي والسعودية. ولا تستغرب عندما تجد أن كل ذلك حدث مقابل صفقة سرية وتفاهمات سرية تمت بين السعودية وأبناء الجمهورية العربية اليمنية بمختلف مكوناتهم السياسية، سيتم بموجبها تحقيق الأهداف والطموحات الاستراتيجية الخاصة بالسعودية، وأهمها السيطرة على الثروات النفطية والغازية في محافظات حضرموت وشبوة والمهرة، والحصول على منفذ بحري لها على البحر العربي، كي تتمكن من تنفيذ مشروع مد أنبوب النفط لتصدير النفط السعودي عبر البحر العربي، لتجاوز تهديد إغلاق مضيق هرمز.

هذه هي الحقيقة كما أراها. فقد نجح أبناء وقوى وكيانات الجمهورية العربية اليمنية في شراء الولايات المتحدة الأمريكية، ومنحها حصتها من الكعكة الجنوبية المنهوبة، مقابل تمكينهم من احتلال الجنوب. واتهموا الجنوب العربي زورًا بأنه يخدم إسرائيل وينسق معها، وفي الحقيقة أنهم هم من قدموا، عبر علاقة عفاش ونظام صنعاء القوية مع الأردن، امتيازات لإسرائيل، مقابل جعل الموقف الأمريكي إلى جانب تمكينهم من السيطرة على الجنوب العربي واحتلاله.

وفي عام 2000 تنازلوا للسعودية عن كل الأراضي الجنوبية والشمالية التي تريدها، مقابل أن تكون السعودية مع الشمال ضد الجنوب، وأن يعملا معًا على منع استقلال الجنوب واستعادة دولته وعاصمتها عدن. وفي عام 2026 طعنوا وغدروا بالإمارات والجنوب، وأخرجوا الإمارات من الجنوب العربي، ومنعوا تقديم الدعم للقوات المسلحة الجنوبية والمجلس الانتقالي الجنوبي. كل ذلك لم يكن إلا لكون الإمارات دعمت الجنوب العربي، وبنَت له جيشًا قويًا، ومكنته من الاقتراب من تحقيق هدفه المنشود: استقلال واستعادة الدولة الجنوبية وعاصمتها عدن، على حدود ما قبل عام 1990.

إن ما يحدث اليوم ليس مجرد صراع على نفوذ، بل هو صراع على حق شعب كامل في تقرير مصيره.

والوحدة التي فُرضت بالقوة، وظلت تُدار بالصفقات والتنازلات ونهب الثروات، لا يمكن أن تصنع وطنًا ولا أن تحقق عدالة.

ومن حق الجنوبيين أن يتساءلوا: إلى متى يدفعون ثمن صفقات لم يشاركوا فيها، ودفعوا ثمنها دمًا ومعاناة وعقودًا من الظلم؟

الصحفي صالح حقروص
2026/9/25م