آخر تحديث :الأحد - 04 أكتوبر 2026 - 02:14 م

كتابات


الرياض تعيد هندسة الإعلام الجنوبي.. لماذا اتسع هامش الانتقالي في «الجنوب اليوم»؟

الأحد - 04 أكتوبر 2026 - 02:08 م بتوقيت عدن

الرياض تعيد هندسة الإعلام الجنوبي.. لماذا اتسع هامش الانتقالي في «الجنوب اليوم»؟

صالح الفضلي

بسلسلة اللقاءت التي اجرتها قناة الجنوب اليوم هذا الاسبوع مع حسن الجابري يبدو ان هناك شيئا يتغير في الإعلام الجنوبي المبثوث من الرياض، وربما يكون التغيير أكبر من مجرد انتقال مجموعة من الإعلاميين من قناة إلى أخرى.


فقناة «الجنوب اليوم»، التي بدأت بثها من الرياض بكادر ارتبط في الأساس بقناة «عدن المستقلة» التابعة للمجلس الانتقالي، تبدو خلال الأيام الأخيرة وكأنها تفتح نافذة جديدة أمام الخطاب الانتقالي، ولكن هذه المرة من داخل فضاء إعلامي مقره العاصمة السعودية. وكان الإعلان عن القناة منذ انطلاقها في فبراير الماضي قد تحدث عن إتاحة المجال لمختلف الأصوات والآراء، فيما أشارت تقارير إطلاقها إلى انتقال كوادر من «عدن المستقلة» إلى القناة الجديدة.


لكن اللافت ليس وجود إعلاميين جنوبيين محسوبين على الانتقالي في القناة؛ فهذا كان معروفًا منذ البداية. اللافت هو السقف الذي أصبح هؤلاء الإعلاميون والسياسيون يتحركون تحته.

خلال الأيام القليلة الماضية، لم تعد الانتقادات الموجهة إلى الحكومة اليمنية ومجلس القيادة مجرد ملاحظات خجولة على الخدمات أو الأداء الإداري. ففي 30 سبتمبر، نشرت «الجنوب اليوم» تصريحات لفضل الجعدي، القيادي في المجلس الانتقالي، انتقد فيها بشدة دعوات التعبئة الصادرة عن مسؤولي مجلس القيادة الموجودين خارج البلاد، وسخر من إدارة القضايا المصيرية عبر تطبيق «زوم»، منتقدًا ابتعاد المسؤولين عن معاناة الشارع الجنوبي.

وفي 2 أكتوبر، ارتفع السقف أكثر عندما نشرت القناة انتقادات للقيادي الجنوبي سالم أبو زيد للحكومة، مستخدمًا تعبير «حكومة السفارات الفندقية والملاهي الليلية»، وموجهًا انتقادات مباشرة إلى أدائها السياسي والخدمي.

هنا تحديدًا تصبح المسألة جديرة بالقراءة السياسية.

فهذا النوع من الخطاب لم يعد يأتي من منصة إعلامية انتقالية تعمل من خارج المجال الذي تديره الرياض، بل من قناة تعمل من الرياض نفسها، وبكادر له جذور واضحة في البيئة الإعلامية الانتقالية.


من «إلغاء» الخطاب الانتقالي إلى احتوائه؟


ربما يكون هذا هو السؤال الأهم.

فالتحولات السياسية الأخيرة لم تؤدِّ إلى اختفاء التيار الانتقالي من الجنوب. وحتى عندما تغير الإطار التنظيمي والسياسي للمجلس، بقيت الأفكار والكوادر والجمهور والقضية الجنوبية موجودة على الأرض وفي الفضاء الإلكتروني والإعلامي.

ومن ثم، فإن التعامل مع هذا التيار باعتباره شيئًا يمكن حذفه بقرار إداري ليس أمرًا سهلًا.

وهنا يمكن فهم إنشاء منصة جنوبية في الرياض، والاستعانة بجزء من كوادر «عدن المستقلة»، باعتباره جزءًا من محاولة لإعادة ترتيب المجال الإعلامي الجنوبي، وليس بالضرورة لإلغائه.

والفرق بين الأمرين كبير.

الإلغاء يعني إغلاق المنابر التي تحمل خطابًا انتقالياً.

أما الاحتواء فيعني السماح لهذا الخطاب بالوجود، ولكن داخل مساحة إعلامية يمكن مراقبة اتجاهاتها وحدودها وإعادة ضبطها.

وما يحدث الآن في «الجنوب اليوم» يمكن أن يقرأ في هذا الاتجاه.

فالقناة لا تبدو وكأنها تعيد إنتاج خطاب «عدن المستقلة» القديم بحذافيره، لكنها في الوقت نفسه لا تغلق الباب أمام أصوات انتقالية تنتقد الحكومة ومجلس القيادة وتطرح أسئلة محرجة حول الحرب والتعبئة والخدمات وأداء المسؤولين.

وهذه صيغة مختلفة تمامًا.


لماذا السماح بالنقد الآن؟


قد يكون أحد التفسيرات أن الرياض أدركت أن الخطاب الجنوبي لا يمكن إدارته بالكامل من فوق.

فالجنوب ليس كتلة سياسية واحدة، والانتقالي ليس مجرد مؤسسة يمكن إغلاقها فينتهي تأثيرها. هناك قيادات وقواعد اجتماعية وكتّاب وإعلاميون وجمهور، فضلًا عن قضايا سياسية تراكمت خلال سنوات الحرب.

لذلك قد تكون السياسة الجديدة أقرب إلى إعادة توزيع المساحات الإعلامية: السماح ببعض النقد، وإعطاء بعض الشخصيات الانتقالية مجالًا للحديث، ولكن ضمن فضاء إعلامي جديد.

وهذا لا يعني بالضرورة أن الرياض أصبحت تتبنى مشروع الانتقالي، كما لا يعني أنها تخلت عن مجلس القيادة أو الحكومة.

بل ربما يكون العكس: إتاحة مساحة للانتقاليين قد تكون وسيلة لإدارة التوازنات داخل الجنوب، لا انحيازًا نهائيًا إلى طرف من أطرافه.

فالرياض في هذه الحالة لا تحتاج إلى إسكات الخطاب الانتقالي، وإنما إلى إبقائه حاضرًا ولكن ضمن منظومة تستطيع التأثير في مساراتها.


المؤشر الأهم: ماذا سيحدث بعد ذلك؟


لهذا السبب، فإن الحكم على التحول لا ينبغي أن يعتمد على منشور أو تصريح واحد.

علينا أن نراقب خلال الأسابيع المقبلة:

هل ستستضيف القناة قيادات انتقالية أكثر شهرة؟

هل سيتوسع النقد من الحكومة إلى سياسات مجلس القيادة نفسها؟

هل ستظهر أصوات انتقالية كانت سابقًا بعيدة عن الإعلام الذي يبث من الرياض؟

هل ستتحول القناة إلى مساحة للحوار بين مختلف التيارات الجنوبية، بما فيها الأصوات التي تختلف مع الانتقالي؟

وهل سيُسمح بانتقاد السعودية نفسها عندما تتصل القضايا بمصالح الجنوب؟

هذه الأسئلة هي التي ستحدد طبيعة التحول.

فإذا بقي النقد محصورًا في الحكومة وخدماتها، فقد يكون الأمر مجرد توسيع محسوب لهامش المعارضة.

أما إذا اتسع المجال ليشمل مختلف مراكز القرار، وسمح بمناقشة مستقبل الجنوب ومصير القضية الجنوبية وعلاقة الجنوب بالرياض وأبوظبي، فسنكون أمام تحول إعلامي أكثر عمقًا.


الرياض لا تريد فراغًا إعلاميًا في الجنوب


الأهم أن السعودية، إذا كانت بالفعل تعيد ترتيب المشهد الجنوبي، لا يمكنها أن تترك الساحة الإعلامية فارغة.

فبعد سنوات كان فيها الخطاب الجنوبي مرتبطًا بصورة كبيرة بمنابر وقنوات وشبكات إعلامية ذات صلة بالانتقالي أو بالإمارات، يصبح إنشاء منصة جنوبية من الرياض محاولة لإنشاء مركز ثقل إعلامي جنوبي جديد.

وهنا تكمن دلالة «الجنوب اليوم».

القناة تجمع بين ثلاثة عناصر: الكوادر الانتقالية السابقة، والمقر السعودي، والخطاب الجنوبي المفتوح على النقد.

وهذه التركيبة ليست عادية.

وقد يكون الهدف منها، في أحد الاحتمالات، إنتاج إعلام جنوبي لا يعادي الانتقالي بالضرورة، ولكنه في الوقت نفسه لا يكون تابعًا له؛ إعلام يسمح للانتقاليين بالحديث، لكنه يجعلهم يتحدثون داخل مساحة جديدة تستطيع الرياض التأثير في حدودها.

وبعبارة أخرى: قد لا تكون الرياض بصدد إسكات الانتقاليين، وإنما إعادة تعريف المكان الذي يتحدثون منه.

وهذا هو معنى «إعادة هندسة المجال الإعلامي الجنوبي».

فبدل أن يكون السؤال: من يملك المنبر الجنوبي؟

يصبح السؤال: من يحدد مساحة الحركة داخل هذا المنبر؟

وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد نشهد خلال المرحلة المقبلة إعلامًا جنوبيًا أكثر تعددًا، لكنه في الوقت نفسه أكثر ارتباطًا بالتوازنات الإقليمية الجديدة.

ولذلك فإن السماح اليوم لقيادات انتقالية بانتقاد الحكومة لا ينبغي أن يُقرأ سريعًا باعتباره انتصارًا للانتقالي أو انقلابًا في الموقف السعودي.

قد يكون ببساطة جزءًا من لعبة سياسية وإعلامية أكثر تعقيدًا: إبقاء الصوت الانتقالي حاضرًا، منحه هامشًا للتعبير، وفي الوقت نفسه نقله من فضاء إعلامي مغلق على خطاب واحد إلى فضاء تستطيع الرياض إدارة توازناته.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية مراقبة «الجنوب اليوم» في الأسابيع المقبلة.

فما يحدث داخل استديوهاتها قد يكون، في نهاية المطاف، أحد المؤشرات المبكرة على الطريقة التي تريد بها الرياض أن تُدار القضية الجنوبية إعلاميًا وسياسيًا في المرحلة الجديدة.

.