آخر تحديث :الأربعاء - 14 أكتوبر 2026 - 01:33 ص

كتابات واقلام


زمن التكسب

الأربعاء - 14 أكتوبر 2026 - الساعة 12:55 ص

محمد الموس
بقلم: محمد الموس - ارشيف الكاتب


محمد عبدالله الموس

كنت ذات يوم مدعواً الى عزومة على الغداء في عرس احد الاصدقاء في احد اندية عدن عندما صادفت استاذنا الكبير هشام باشراحيل، رحمة الله تغشاه، وكان بصحبته الاخ العزيز عيدروس باحشوان، نقيب الصحفيين الجنوبيين الحالي.

لم اكن قد قابلت العزيز عيدروس وجها لوجه منذ غادرنا عدن بعد غزو ١٩٩٤م اما استاذنا هشام فقد كنا نتقابل بإستمرار في صحيفة الأيام.

كان مرض السكر قد بدأ يفعل فعله لذلك فوجئ الاخ عيدروس بانخفاض وزني فسألني، ايش حصل؟ فقلت له ضاحكا، هذا من اثار اصلاحات باجمال الاقتصادية، فعلق شيخنا هشام ضاحكا بأسلوبه الساخر، (هذا من اثار الجرع)، كان يقصد جرعات الاصلاح الاقتصادي التي كان من نتائجها بيع القطاع العام ورفع الدعم الحكومي عن بعض السلع والخدمات، واصبحت فيما بعد، سببا لثورة الحوثي الذي رفع شعار إلغاء الجرعة وتعاطفت معه الناس الى ان ألغى الدولة بكلها وفاجأ الجميع بأهداف أخرى.

ولأن الشيء بالشيء يذكر فقد كنت في صنعاء عندما هاتفني الاخ العزيز احمد عمر بن فريد ونقل لي خبر الهجوم الذي تعرض له منزل آل باشراحيل في صنعاء، كنت يومها بصحبة الاخ المهندس احمد الميسري عضو اللجنة العامة للمؤتمر الشعبي العام حينها، وكان معنا اخرين، فتحركنا، الميسري وانا الى منزل هشام، الذي كان محاط بقوات الأمن وفوق سطح المنزل، لكن في الداخل كان المنزل يعج بعدد كبير من النخبة الجنوبية من السلطة وخارجها، وحين انحنيت للسلام على الاستاذ هشام همس في اذني بجملة من قفشاته اللاذعة المعهودة، اضحكتني، لكنها لا تصلح للنشر.

خلال تلك السنوات كانت النخبة الجنوبية، في مختلف المواقع، متماسكة وقوية رغم عدم توفر امكانات اليوم، كانوا انعكاس حقيقي لوحدة وصلابة الشارع الجنوبي، واتذكر انه في واقعة منزل آل باشراحيل ان أعضاء البرلمان من الجنوبيين اصروا على مرافقة الاستاذ هشام باشراحيل بالطائرة من صنعاء حتى وصوله الى منزله في عدن، فماذا حدث لهذه النخبة؟.

عندما كان الناس يصرخون ضد الجرعات الحكومية كانت الحياة المعيشية للناس مقبولة الى حد كبير مقارنة بالاوضاع البائسة التي تعيشها الناس اليوم، واصبح عدد كبير من النخبة الثائرة آنذاك يحكمون اليوم بدرجة او بأخرى.

وكان صدى ما يتعرض له حراك الشارع الجنوبي من قمع يصل انتقاده الى دواوين الحكم في صنعاء وعدن ويؤتي أكلا يلمسها الشارع بما في ذلك المراجعة المستمرة.

اليوم، تعاني الناس معيشيا وخدميا بصورة قاتلة، وجثامين الشهداء من ابناء الجنوب تصل من الجبهات بالعشرات، ومع ذلك لم نسمع صوتا اوفعل في السلطة يليق بحجم الكارثة، لا اكراما للشهداء ولا انصافا للأحياء.

فهل اصبحنا في زمن اللهث على المناصب، والجري بحثا عن العطايا، وهل اصبحت القضية الجنوبية مجرد وسيلة للتكسب عند النخبة السياسية الجنوبية، ام ان بريق المزايا والعطايا أكل ألسنتهم وافقدهم القدرة على قراءة الواقع؟.

عدن
١٣ اكتوبر ٢٠٢٦م