آخر تحديث :الجمعة - 16 أكتوبر 2026 - 01:14 ص

كتابات واقلام


بين مقال السعدي وكلمة الزبيدي: من يحاكم الوقائع ومن يصنع الرواية؟

الجمعة - 16 أكتوبر 2026 - الساعة 01:14 ص

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


ليس كل اختلاف في قراءة المشهد السياسي دليلًا على اختلاف في الوقائع، كما أن ليس كل تحليل حادّ أقرب إلى الحقيقة من تحليل هادئ يستند إلى ما يمكن إثباته. وبين هذين الأمرين، جاءت قراءة أخونا العزيز عبدالكريم سالم السعدي لكلمة عيدروس الزبيدي بمناسبة الذكرى الثالثة والستين لثورة 14 أكتوبر، محمّلة باستنتاجات تتجاوز ما ظهر في الكلمة نفسها إلى روايات عن الاعتقال والتبعية وتبادل الأدوار بين الرياض وأبوظبي، وكأن الاحتمالات السياسية قد تحولت إلى حقائق مكتملة الأدلة.
من حق السعدي أن ينتقد الزبيدي، وأن يعارض المجلس الانتقالي، وأن يختلف مع مشروعه السياسي، لكن من حق القارئ أيضًا أن يسأل: أين تنتهي الوقائع التي نعرفها، وأين تبدأ التأويلات التي نريد تصديقها؟

الكلمة تُقرأ في سياقها، لا في خصومة كاتبها

يمكن الاتفاق على أن كلمة الزبيدي أثارت أسئلة سياسية عديدة، سواء بشأن توقيتها، أو مضمونها، أو ما حملته من إشارات ورسائل إلى الأطراف المؤثرة في المشهد اليمني. ومن المشروع أيضًا مناقشة ما إذا كانت تعكس مراجعة سياسية، أو محاولة لاحتواء أزمة، أو سعيًا لإعادة ترتيب العلاقات في مرحلة شديدة التعقيد.
لكن القفز من هذه الأسئلة إلى الجزم بأن الرجل كان معتقلًا أو خاضعًا للإقامة الجبرية في الإمارات، ثم اعتبار ملامحه أو توقفاته أو طريقة إخراج التسجيل أدلة على ذلك، يظل استنتاجًا يحتاج إلى معلومات موثوقة ومستقلة، لا إلى الانطباعات الشخصية لأخونا عبدالكريم.

فالمشهد المرئي قد يثير الشكوك، لكنه لا يكفي وحده لإثبات ظروف تسجيل الكلمة أو الجهة التي صاغت مضمونها. والسياسة لا تُقرأ بتعابير الوجوه وحدها يا سعدي، مثلما لا تُحسم المسائل الأمنية والعسكرية بالمقاطع المصورة والتخمينات والتكهنات.
أما مضمون الكلمة، فهو الذي يستحق أن يكون موضع التحليل الأول: ماذا قال الزبيدي؟ ماذا تجنب قوله؟ ما الرسائل التي أراد إيصالها؟ وما الذي يمكن استنتاجه من عباراته، من دون تحميلها ما لا تحتمل؟
هل كانت الكلمة إماراتية أم سعودية؟ السؤال الأهم منه هو: أين القرار الجنوبي؟
إن اختزال كلمة الزبيدي في سؤال: هل جاءت بإرادة أبوظبي أم برضا الرياض؟ يعيد إنتاج المشكلة التي يشتكي منها كثيرون في الجنوب؛ أي التعامل مع القرار الجنوبي باعتباره تفصيلًا في حسابات العواصم الإقليمية، لا مسألة سياسية لها أصحاب ومصالح وإرادة مستقلة.

لا أحد يستطيع أن ينكر أن الإمارات والسعودية كانتا طرفين مؤثرين في مسار الحرب اليمنية، وأن علاقات القوى الجنوبية بهما تأثرت بطبيعة الدعم العسكري والسياسي، وباختلاف الأولويات والمصالح. لكن هذا التأثير لا يمنحنا حق افتراض أن كل كلمة سياسية تصدر عن قائد جنوبي هي بالضرورة نص أُملي عليه من الخارج، ما لم تتوافر أدلة تدعم ذلك.
وفي المقابل، لا يصح أن نتصور أن أي قيادة جنوبية تعمل في بيئة إقليمية معقدة تستطيع تجاهل حسابات القوى المحيطة بها، أو أن التحالفات العسكرية والسياسية تقوم على تطابق كامل في الأهداف.

المعيار الحقيقي ليس عدد المرات التي يذكر فيها الزبيدي الإمارات أو السعودية، ولا الجهة التي يوجه إليها الشكر، وإنما طبيعة الموقف الذي يتبناه، ومدى اتساقه مع مصالح الجنوب، وقدرته على حماية قراره السياسي من الارتهان لأي طرف.
فإذا تضمنت الكلمة إشارات إلى الرياض، فهذا لا يثبت وحده انتقال الولاء إليها. وإذا خلت من ذكر أبوظبي، فهذا لا يثبت وحده أنها اعتذار إماراتي للسعودية. كلا التفسيرين ممكن أن يُطرح فرضيةً للنقاش، لكنه لا يصبح حقيقة بمجرد تناوله بهذا الإسلوب السطحي.
حين يتناول السعدي الدور الإماراتي، يبدو كأنه يريد اختزال تجربة كاملة في علاقة تبعية، متجاوزًا ما شهدته جبهات الجنوب من تحولات عسكرية، وما قدمته الإمارات من دعم وتدريب وتسليح وإسناد للقوات الجنوبية، فضلًا عن دورها المباشر في العمليات التي أسهمت في تحرير مناطق جنوبية من سيطرة الحوثيين.
هذه وقائع لا ينبغي أن تُمحى من سجل الحرب لمجرد خلافك مع أبوظبي، كما لا ينبغي أن تتحول إلى حصانة سياسية تمنع مساءلة الإمارات عن سياساتها أو عن نتائج تدخلاتها.
فالإنصاف لا يعني تبرئة الحليف، وإنما الاعتراف بما أنجزه، ثم إخضاع سياساته وقراراته للنقد والمراجعة. ومن الخطأ أن نضع الدور الإماراتي كله في خانة المؤامرة، مثلما سيكون من الخطأ أن نصفه كله بأنه عمل خالص من المصالح.
الدول لا تتحرك في الحروب بدافع العواطف وحدها، بل وفق حسابات الأمن والنفوذ والمصالح. وهذا ينطبق على أبوظبي والرياض وسائر العواصم المعنية بالملف اليمني.
ومن هنا، فإن السؤال الموضوعي ليس: هل كانت الإمارات حليفًا صادقًا أم دولة تبحث عن مصالحها؟ فقد يجتمع الأمران في السياسة. السؤال هو: أين توافقت مصالحها مع مصالح الجنوبيين، وأين افترقت عنها؟ وهل كانت الشراكة قائمة على احترام الإرادة الجنوبية، أم أن بعض محطاتها أوجد تبعية أو خلافات أو صراعات كان ينبغي تجنبها؟

هذه الأسئلة أكثر أهمية من إطلاق الأحكام المطلقة، لأنها تضع الجميع أمام مسؤولياتهم، ولا تمنح أي طرف صك براءة دائمًا.
السعودية والتحالف: لا تكفي مقارنة النتائج لإغلاق ملف المسؤولية
وفي المقابل، فإن التعامل مع السعودية باعتبارها المرجعية التي ينبغي أن تنتظم تحتها جميع القوى، أو اعتبار التقارب معها دليلًا على صحة المسار السياسي، لا يقل إشكالًا عن اختزال كل شيء في التبعية للإمارات.
لقد قادت السعودية التحالف العربي، وكان لها دور رئيسي في إدارة الملف العسكري والسياسي للحرب في اليمن. ومع ذلك، فإن النتيجة العامة للحرب في الشمال تفرض أسئلة جدية عن فاعلية الاستراتيجية المتبعة، وعن أسباب استمرار سيطرة الحوثيين على صنعاء ومناطق واسعة من الشمال رغم سنوات الحرب والدعم والإمكانات.

وفي الجنوب، أسهمت القوات الجنوبية، بدعم وإسناد من التحالف، وفي مقدمته الإمارات في عدد من الجبهات، في تحقيق مكاسب عسكرية مهمة وتحرير مناطق من الحوثيين. وهذه حقيقة تستحق الاعتراف، لكنها لا تعني أن المقارنة بين الجنوب والشمال يمكن أن تُحسم بمجرد عدّ المناطق المحررة؛ إذ تختلف الجبهات في طبيعتها الجغرافية والعسكرية، وفي تماسك القوات، والموارد، والقيادة، والظروف السياسية.
لكن تلك الفوارق لا تلغي حقنا في السؤال عن أسباب تعثر الحسم في الشمال، ولا تسمح بتحويل الإخفاقات إلى إنجازات بمجرد تغيير لغة الخطاب.
وإذا كان أخونا السعدي يرى أن الكلمة جاءت لخدمة الحوثيين، فعليه أن يوضح كيف تحقق ذلك عمليًا، وما المؤشرات الملموسة التي تدعم استنتاجه. فالمواقف السياسية لا تُقاس فقط بما يقال عنها، بل بما تنتجه من آثار على الأرض، وما إذا كانت تعزز خصمًا أو تضعف حليفًا أو تغير موازين القوة.
أما أحداث حضرموت، وما رافقها من سقوط ضحايا وتوترات سياسية وعسكرية، فلا يصح تجاوزها أو التعامل معها باعتبارها مجرد تفصيل في خلاف سعودي إماراتي. إنها أحداث تستحق التحقيق والتوثيق والمساءلة، وتستحق أسر الضحايا وكل المتضررين معرفة الحقيقة بشأنها.
لكن المسؤولية عن تلك الأحداث لا تُحدد بالاستنتاج السياسي وحده، ولا يكفي وقوع خلاف بين دولتين لإثبات أن كل ما جرى كان نتيجة قرار صادر عن إحداهما، أو أن طرفًا بعينه يتحمل المسؤولية الكاملة قبل ظهور الأدلة.
وينطبق الأمر نفسه على ما جرى في المخا وباب المندب. فطرح اتهام طارق صالح بالتسبب في سقوط المخا، أو ربط ما جرى بخيانة إماراتية، لا يصبح تحليلًا عسكريًا لمجرد تداوله في وسائل الإعلام أو ترديده من أطراف سياسية متخاصمة.
إن تقييم أي انهيار عسكري يتطلب معرفة طبيعة الانتشار، وحجم القوات، وسلسلة القيادة والسيطرة، وحالة الإمداد والذخائر، وقرارات الانسحاب أو الثبات، ومدى تماسك الوحدات، وموقف القيادات الميدانية. كما يتطلب التمييز بين الانهيار الناتج عن اختراق عسكري، والتراجع المنظم، والتفكك الداخلي، وغياب الإسناد، والقرار السياسي الذي يقيّد حركة القوات.
ومن دون معلومات موثقة عن هذه العناصر، فإن الجزم بأن طارق صالح كان وراء سقوط المخا، أو أن ما حدث كان عملية إماراتية متعمدة، يظل اتهامًا لا يجوز تقديمه بوصفه حقيقة محسومة.
وإذا كانت ثمة اعترافات أو معلومات خطيرة يُقال إنها تكشف ملابسات تلك الأحداث، فإن الواجب هو نشر ما يمكن التحقق منه، وتحديد مصادره وسياقه، بدلًا من استخدامه لبناء رواية سياسية مكتملة قبل فحص الأدلة.
إن تكرار نمط الانهيار العسكري في أكثر من جبهة شمالية قد يفتح باب المقارنة بين أداء القيادات، وطبيعة القوات، وآليات اتخاذ القرار، لكنه لا يثبت وحده تطابق الأسباب أو وحدة الجهة التي تقف خلف كل واقعة. فالتشابه في النتائج لا يعني بالضرورة التطابق في الأسباب.
أكثر ما يستحق التوقف في مقال السعدي هو وصف الإنتقالي الجنوبي بأنه قبيلة لا كبير لها، ومفتوحة أبوابها لكل «لصيق». وهي عبارة قد تبدو متهورة في سياق الفجور بالخصومة، لكنها لا تقدم تفسيرًا سياسيًا مقنعًا لأزمة الجنوب، ولا تساعد على فهم أسباب تعثر مشروعه الوطني.
فالجنوب ليس ملكًا لقيادة بعينها، ولا حكرًا على تيار سياسي، كما أنه ليس ساحة مباحة لمن يريد توظيف قضيته لمصلحة إقليمية. وهو، في الوقت نفسه، ليس كيانًا بلا مؤسسات أو خلافات أو مصالح متباينة؛ بل مجتمع سياسي له قواه وتضحياته وتاريخه وتطلعاته، ويحتاج إلى بناء مؤسسات تمثيلية قادرة على استيعاب الاختلاف وإدارة القرار العام.
ومن حق الجنوبيين أن يختلفوا مع الزبيدي، وأن يحاسبوا المجلس الانتقالي على خياراته، وأن يطالبوا بقيادة أكثر كفاءة وشفافية. لكن تحويل الخلاف إلى تشكيك في الانتماء، أو استخدام وصف «اللصيق» لإقصاء الخصوم، لا يبني مشروعًا وطنيًا ولا يقدم بديلًا سياسيًا.

إذا كانت المشكلة هي التبعية، فلتكن المحاسبة على القرارات والاتفاقات والمواقف والنتائج، لا على الأنساب أو الولاءات المفترضة. وإذا كانت المشكلة غياب المؤسسات، فالحل في بناء مؤسسات جنوبية حقيقية، لا في السخرية من مجتمع بأكمله.
ولا يستقيم أن نطالب باستقلال القرار الجنوبي، ثم نقيس شرعية كل قيادة بمقدار قربها من الرياض أو أبوظبي، أو نمنحها صفة الوطنية حين تتفق مع موقفنا ونسلبها إياها حين تختلف معنا.
ما الذي تقوله كلمة الزبيدي فعلًا؟
القراءة المنصفة للكلمة ينبغي أن تبدأ من مضمونها السياسي، لا من افتراضات تسبق الاستماع إليها.
فإذا تضمنت توجهًا نحو التهدئة أو إعادة ترتيب العلاقة مع الرياض، فينبغي السؤال عن طبيعة هذا التوجه: هل هو تقارب تكتيكي فرضته موازين القوة؟ أم مراجعة حقيقية للسياسات السابقة؟ أم محاولة لتجنب مواجهة جديدة؟ وما الضمانات التي يمكن أن تجعل أي تفاهم إقليمي منسجمًا مع حقوق الجنوبيين وتطلعاتهم؟
وإذا لم تتطرق الكلمة إلى أحداث حضرموت، فمن حق الجمهور أن يسأل عن سبب هذا الغياب، وأن يطالب بتوضيح المسؤوليات ومحاسبة المتورطين. لكن الصمت عن ملف ما لا يثبت وحده أن صاحبه اعتذر عن جريمة نكراء، ولا أن دولة بعينها صاغت له خطابًا لتسوية خلافاتها.
وإذا كانت الكلمة قد تجنبت بعض العبارات التي تجاوزتها المرحلة، أو استخدمت لغة مختلفة في مخاطبة الأطراف الإقليمية، فقد يكون ذلك مؤشرًا على تغير في الخطاب السياسي، لكنه لا يكفي وحده للحكم بأن المشروع السياسي قد تغير، أو أن التبعية انتقلت من عاصمة إلى أخرى.
الاختبار الحقيقي سيكون في المواقف اللاحقة، وفي القرارات التي تتخذها القيادة، وفي مدى وضوح موقفها من قضية الجنوب، وفي قدرتها على حماية المصالح الجنوبية، وفي علاقتها بالقوى الأخرى، وفي ما إذا كانت ستتعامل مع الشراكات الإقليمية بوصفها وسائل لتحقيق أهداف سياسية، أم بوصفها مرجعيات تحدد لها ما ينبغي أن تفعله.
خلاصة القول
إن مشكلة مقال عبدالكريم السعدي ليست في حقه في المعارضة، ولا في انتقاده للزبيدي أو المجلس الانتقالي، وإنما في أن بعض استنتاجاته جاءت بصيغة أقرب إلى الأحكام النهائية، بينما الأدلة التي تسندها لم تُعرض بما يكفي للحسم.
وفي المقابل، فإن الدفاع عن الدور الإماراتي لا يستقيم بالتعصب لأبوظبي، مثلما لا تستقيم قراءة المشهد الجنوبي بالتعصب للرياض. فالدول تتحرك وفق مصالحها، والقيادات تُختبر بقراراتها، والجبهات العسكرية لا تكشف أسرارها بمجرد إطلاق الاتهامات.
أما كلمة الزبيدي، فليس من الموضوعية أن نمنحها شهادة استقلال لمجرد أنها لم تذكر الإمارات، ولا أن نحكم عليها بأنها إملاء إماراتي أو اعتذار للسعودية من دون أدلة. علينا أن نقرأ ما قيل، ونلاحظ ما غاب، ثم نراقب ما سيترتب على ذلك من مواقف وقرارات.
فالجنوب الذي دفع أثمانًا باهظة في الحرب لا يحتاج إلى خصومة إعلامية جديدة بين أنصار الرياض وأتباع أبوظبي، ولا إلى تحويل كل حدث إلى مناسبة لتصفية الحسابات. ما يحتاج إليه هو قراءة سياسية ناضجة، وتقييم عسكري يستند إلى الوقائع، وقيادة تُحاسب على نتائجها، وشراكات خارجية لا تنتقص من حقه في تقرير مستقبله واستعادة دولته.

ليس المطلوب أن نختار بين الرياض وأبوظبي، بل أن نمتلك من الوعي السياسي ما يجعل علاقاتنا بهما خاضعة لمصلحة الجنوب، لا أن تصبح مصلحة الجنوب رهينة لعلاقاتنا بهما.