آخر تحديث :السبت - 17 أكتوبر 2026 - 05:24 م

كتابات واقلام


الحوثي: الشعار في المقدمة والهدف في الخلف

السبت - 17 أكتوبر 2026 - الساعة 05:02 م

صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص - ارشيف الكاتب


أقولها بوضوح: ما يظهر من الحوثيين على السطح من شعارات ليس هو الحقيقة الكاملة. فالشعارات وحدها لا تصنع سياسة، ولا تكفي للحكم على جماعة مسلحة. المهم هو النتائج، والنتائج تقول إن الحوثي، سواء قصد أو لم يقصد، يخدم أجندات أكبر منه، ولا تخدم اليمن ولا العرب.

التاريخ يذكّرنا بأن استخدام بعض القوى اليمنية في الستينات لاستنزاف الجيش المصري ليس أمرًا جديدًا. التدخل المصري في اليمن أنهك مصر عسكريًا واقتصاديًا، وأضعف جيشها قبل 1967. ولا أزعم أن كل اليمنيين مسؤولون عن ذلك، لكنني أرى أن بعض القوى اليمنية لعبت دورًا في هذا الاستنزاف، وأن إسرائيل استفادت من النتائج سواء خططت لها مباشرة أو استثمرتها لاحقًا.

أما الحوثي، فهو ليس حركة بريئة ولا مجرد حركة محلية غاضبة. هو جماعة مسلحة ذات ارتباط إيراني واضح، لكن الأهم أنه يؤدي وظيفة أكبر من حجمه. وجوده في السلطة واستمراره في الحرب لا يضر اليمن فقط، بل يضر مصر والسعودية والمنطقة كلها.

الهدف الأول: خنق مصر اقتصاديًا. ضرب الملاحة في البحر الأحمر وتهديد قناة السويس لم يكن مجرد رد فعل على غزة، بل أصبح أداة لحرمان مصر من عائداتها. ومصر التي تعتمد على قناة السويس كأحد أهم مواردها تجد نفسها مضطرة إلى تقليص طموحات جيشها وقدراته العسكرية. وإضعاف الجيش المصري ليس هدفًا إسرائيليًا جديدًا، بل هو هدف قديم.

الهدف الثاني: استنزاف السعودية اقتصاديًا وإجبارها على التطبيع. الحرب في اليمن كلفت السعودية مليارات، وأضعفت قدرتها على المناورة. وأنا أرى أن الحوثي أصبح أداة ضغط: إذا أرادت السعودية التخلص منه، فالثمن هو التطبيع مع إسرائيل. وإذا لم تقبل، يبقى الحوثي مهددًا لها في البحر وفي الجنوب.

والشعارات؟ «الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام». هذه شعارات ترفع في المظاهرات، لكن الواقع يقول شيئًا آخر. من يرفع شعار الموت لأمريكا يمكن أن يخدم أمريكا عمليًا، ومن يرفع شعار الموت لإسرائيل يمكن أن يخدم إسرائيل دون أن يدري. السياسة ليست شعارات، بل نتائج. والنتيجة أن الحوثي أضر بمصر والسعودية واليمنيين أكثر مما أضر بأمريكا وإسرائيل.

وفي سبتمبر 2026، حين شن الحوثي هجومًا على المخا والساحل وباب المندب، بدأت تتكشف حقائق مهمة. الحديث عن اتصال ولي العهد السعودي بالرئيس ترامب وطلب المساعدة، ثم خروج ترامب ليعلن أن الحوثيين تواصلوا معه وطلبوا عدم التدخل، وأنهم لن يتعرضوا لسفن أمريكا وإسرائيل بل سيستهدفون السفن السعودية، كل ذلك يكشف أن الحوثي ليس قوة عشوائية، بل أداة تناور بين أطراف كبرى. والرسالة إلى السعودية واضحة: إذا أردت التخلص من الحوثي، فالثمن معروف، وهو التطبيع.

أنا لا أزعم أن كل ما أقول هو حقيقة مطلقة، ولا أملك وثائق لكل تفصيل. لكنني أرى أن من حقنا أن نقرأ المشهد بعقل نقدي، لا بعقل الشعارات. الحوثي ليس بتلك القوة الأسطورية التي يتظاهر بها، لكنه في الوقت نفسه ليس ضعيفًا بالشكل الذي يصوره البعض. قوته الحقيقية ليست في صواريخه فقط، بل في وظيفته: وظيفة إرباك المنطقة، وإضعاف مصر، واستنزاف السعودية، وتهديد الملاحة، وإبقاء اليمن ساحة مفتوحة.

والخلاصة التي أريد قولها: لا يجب أن ننتظر وثيقة أمريكية مختومة لنفهم أن الحوثي يخدم أجندات لا تخدمنا. يكفي أن ننظر إلى النتائج: مصر أضعف اقتصاديًا، السعودية مستنزفة، اليمن ممزق، وإيران منتفعة، وأمريكا وإسرائيل تبتسمان من بعيد. هذا رأيي، وقد أكون مخطئًا في بعض التفاصيل، لكنني مقتنع بأن الصورة العامة أوضح من أن تحتاج إلى كثير من الشرح.

الصحفي صالح حقروص
2026/10/17م