آخر تحديث :الأحد - 18 أكتوبر 2026 - 11:18 م

كتابات واقلام


من التضامن العربي إلى معادلة التسوية في اليمن وحق الجنوب في الشراكة السياسية

الأحد - 18 أكتوبر 2026 - الساعة 10:19 م

المحامي جسار فاروق مكاوي
بقلم: المحامي جسار فاروق مكاوي - ارشيف الكاتب


لا شك أن ما تضمنته القرارات والمواقف المعلنة بشأن التضامن مع المملكة العربية السعودية والوقوف إلى جانبها في حماية أمنها واستقرارها وصون مقدراتها ومقدساتها الإسلامية يفتح المجال أمام قراءة سياسية وقانونية أوسع لطبيعة المرحلة ومتطلبات خفض التصعيد في المنطقة..إن الجمع بين المسار العسكري المرتبط بالدفاع عن الأمن والاستقرار والمسار السياسي الهادف إلى الوصول إلى تسوية شاملة مع الشركاء في المنطقة العربية والإقليم يفرض ضرورة التعامل مع جذور الأزمات لا الاكتفاء باحتواء نتائجها.

فخفض التصعيد لا يمكن أن يتحقق بصورة مستدامة ما لم يقترن بمعالجة مصادر التهديد واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية..وفي الشأن اليمني تحديدا تبرز مسؤولية التعامل مع جماعة الحوثي في ضوء سجلها السياسي والعسكري والدستوري وما ترتب على استيلائها على السلطة بالقوة وتعطيل مؤسسات الدولة وإخراج العملية السياسية عن مسارها الدستوري وإدخال البلاد في حرب ممتدة ألحقت أضرارا جسيمة بالإنسان اليمني ومقدراته الوطنية..كما أن ارتباط الجماعة بالنظام الإيراني وما يثار بشأن توظيف الأراضي والقدرات اليمنية لخدمة حسابات إقليمية خارج المصلحة الوطنية يضع أي تسوية مرتقبة أمام اختبار جوهري يتمثل في مدى قدرتها على استعادة القرار اليمني المستقل وإنهاء أسباب الصراع ومنع استخدام اليمن منصة لتهديد أمن دول الجوار أو توسيع دائرة المواجهة الإقليمية..ومن هذا المنطلق فإن أي مسار سياسي يمنح جماعة الحوثي موقعا تفاوضيا أو يعيد إدماجها في العملية السياسية يجب ألا يتحول إلى مكافأة على فرض الأمر الواقع بالقوة أو إلى تجاوز للمرجعيات الدستورية والقانونية وحقوق بقية الأطراف اليمنية.

فالتسوية المستدامة لا تقوم على شرعنة نتائج الحرب وإنما على ضمانات واضحة تكفل الشراكة السياسية واحترام القانون وحقوق المواطنين ووحدة القرار السيادي..وهنا تبرز المسألة الجنوبية بوصفها استحقاقا سياسيا لا يجوز تجاوزه أو تأجيله إلى أجل غير معلوم..فإذا كانت التسوية المرتقبة ستفتح المجال أمام جماعة الحوثي للمشاركة في ترتيبات سياسية جديدة فإن من مقتضيات العدالة السياسية أن يكون لأبناء الجنوب ومكوناتهم السياسية والاجتماعية حضور مستقل ومكافئ على طاولة التفاوض بما في ذلك المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه أحدالمكونات السياسية الجنوبية الفاعلة.

ولا يستقيم منطق التسوية أن يجري التفاوض على مستقبل اليمن وترتيبات السلطة والأمن وتقاسم المسؤوليات مع طرف فرض حضوره بالقوة فيما يجري التعامل مع القضية الجنوبية باعتبارها مسألة ثانوية أو ملفا قابلا للترحيل. فالقضيتان وإن اختلفت ظروفهماومرجعياتهما لا يجوز أن تكون معالجة إحداهما مدخلا لتجاوز الأخرى أو الانتقاص من حق أصحابها في التعبير عن إرادتهم السياسية.إن المطلوب ليس مجرد مقعد شكلي للجنوب وإنما مشاركة حقيقية ومتكافئة تضمن حضوره في صياغة أي اتفاق سياسي وتحدد بوضوح حقوقه ومطالبه وضمانات تنفيذ ما يتم التوافق عليه مع احترام تعدد مكوناته وعدم اختزالها في طرف واحد .

إن السلام الذي لا يعالج جذور ملف الجنوب ولا يضمن شراكة أصحاب الأرض في تقرير مستقبلهم يظل سلاما ناقصا مهما اتسعت دائرة الأطراف الموقعة عليه..ومن هنا فإن الموقف العربي الداعم لأمن المملكة العربية السعودية واستقرار المنطقة ينبغي أن يتكامل مع رؤية سياسية شاملة لليمن تقوم على إنهاء أسباب الحرب واستعادة القرار الوطني ومنع التدخلات الخارجية وفتح مسار تفاوضي جاد لا يستثني أصحاب القضايا ولا يكافئ فرض الأمر الواقع على حساب الحقوق السياسية..

إن التسوية الحقيقية لا تقاس بعدد الأطراف التي تجلس إلى الطاولة فحسب وإنما بمدى عدالة التمثيل ووضوح الضمانات وقدرة الاتفاق على منع تجدد الصراع. وهذه هي المعادلة التي ينبغي أن تحكم أي حل سياسي مرتقب في اليمن بما يكفل أمن الجوار وحق اليمنيين في دولة مستقرة وحق أبناء الجنوب في شراكة سياسية حقيقية تحدد مستقبلهم بإرادتهم الحرة .
كتب المحامي جسار فاروق مكاوي ـ عدن .