آخر تحديث :الإثنين - 19 أكتوبر 2026 - 01:02 ص

كتابات واقلام


الجنوب العربي .. هوية وتاريخ وحضارة وإنسان

الإثنين - 19 أكتوبر 2026 - الساعة 12:52 ص

هاني السقاف .. إعلامي
بقلم: هاني السقاف .. إعلامي - ارشيف الكاتب


في كل مرة أكتب فيها عن الجنوب، أشعر أنني أفتح جرحاً لم يُندمل بعد. ليس لأننا نعشق البكاء على الأطلال، بل لأننا نكتب تاريخاً يرفض العالم الاعتراف به، وذاكرة يحاول البعض محوها.

قبل عام 1990، كانت هناك دولة اسمها جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. كانت لها حدودها، وعلمها، وجيشها، وعملتها، ومدارسها، ومستشفياتها، وإذاعتها، وميناؤها الذي كان من أنشط موانئ المنطقة. لم تكن "جنوباً تابعاً" ولا "محافظة من محافظات الشمال"، بل كانت دولة ذات سيادة جلس مندوبوها في الأمم المتحدة، وخاطب رئيسها العالم من على منبر الجمعية العامة.

ثم جاءت الوحدة عام 1990، وسُمّيت "وحدة اندماجية". لكن ما حدث بعد ذلك – وتحديداً بعد حرب صيف 1994 – لم يكن اندماجاً، بل كان ضمّاً بالقوة، وبداية مسلسل طويل من طمس الهوية ومصادرة القرار وتهميش الإنسان الجنوبي.

🫵 ماذا حدث بعد الوحدة؟

لا أتحدث هنا عن آراء سياسية، بل عن وقائع يوثقها الكثير من أبناء الجنوب:

· الإقصاء من السلطة والقرار: تحولت الدولة من شراكة إلى هيمنة طرف واحد، وتم تهميش القيادات الجنوبية وإقصاؤها تدريجياً من مفاصل الدولة.
· الحرب والدم: في صيف 1994، دخلت القوات الشمالية إلى عدن وغيرها، وسقط عشرات الآلاف من أبناء الجنوب بين قتيل وجريح ومهجّر. ما حدث لم يكن "حفاظاً على الوحدة"، بل كان حرباً على الجنوب وشعبه.
· طمس الهوية الثقافية: تم استبدال المناهج الدراسية، وتغيير أسماء الشوارع والميادين، ومصادرة الرموز الوطنية الجنوبية، حتى أصبح العلم الجنوبي يُستبدل قسراً بعلم الجمهورية اليمنية في المؤسسات الرسمية.
· نهب الآثار والممتلكات: تعرضت المتاحف والمواقع الأثرية في الجنوب – من عدن إلى حضرموت إلى شبوه – للإهمال والنهب والتهريب، وكأن التاريخ نفسه يجب أن يُطمس حتى لا يتذكر الناس أن لهذه الأرض حضارة أقدم من كل الحدود التي رُسمت لاحقاً.
· الاقتصاد: تم تجفيف ميناء عدن لصالح موانئ أخرى، وأُهملت المصافي والبنية التحتية، وتحول الجنوب من دولة منتجة إلى منطقة تُدار بمنطق "الغلبة" و"الاستحواذ".

🌐 وحتى في جوجل والذكاء الاصطناعي؟

وهنا نقطة أثارت استغرابي مراراً: حين تبحث في جوجل عن "علم الجنوب العربي"، لا تجد علماً معترفاً به. وحين تبحث عن "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية" في بعض المنصات، تختفي المعلومات أو تُختصر في سطرين. وحين تسأل الذكاء الاصطناعي عن الجنوب، يجيبك بأجوبة مبسطة لا تعكس عمق التاريخ ولا حجم المأساة.

أنا لا أقول إن جوجل تآمرت علينا، ولا أرمي الاتهام جزافاً. لكنني أقول بكل وضوح: الفراغ المعلوماتي ليس بريئاً. فالمعلومات التي تُغذي محركات البحث وقواعد بيانات الذكاء الاصطناعي تأتي من مصادر تُنتجها مراكز قوى، ومن يملك القوة يملك السردية. وحين لا يكون للجنوب كيان سياسي معترف به دولياً بعد 1990، ولا سفارات، ولا مندوبون في الأمم المتحدة، ولا مراكز أبحاث ممولة، فإن صوته يغيب تلقائياً عن الخرائط الرقمية والذاكرة العالمية.

هذا ليس "خطأً تقنياً" فقط، بل هو نتيجة مباشرة لسياسة طمس ممنهجة بدأت بالحرب والدم، وانتهت بجعل الجنوب "غير موجود" في أدق تفاصيل المعلومات اليومية: لا علم، لا اسم، لا تاريخ، لا هوية.

🤝 ودول الجوار؟

هنا أتحدث بتقديري الشخصي، لا كحقيقة مطلقة: لا يمكن لمراقب منصف أن يتجاهل أن بعض دول الجوار لم تكن بعيدة عن هذا المشهد. فالحرب على الجنوب في 1994، والاستحواذ على ثرواته، وإضعاف أي صوت جنوبي حر، كلها أمور تخدم مصالح أطراف إقليمية لا تريد لدولة في جنوب الجزيرة أن تنهض من جديد. لكنني أترك التفاصيل للتاريخ، وللأجيال القادمة التي ستفتح الأرشيفات وتقرأ ما لم نستطع قوله اليوم.

🔥 كلمة أخيرة… لا للبكاء، نعم للتوثيق

أنا لا أكتب هذا لأبكي على ماضٍ مضى، بل لأقول لكل من يحاول إقناعنا بأننا "انفصلنا عن التاريخ": الجنوب ليس طيفاً ولا مزاجاً سياسياً. الجنوب هوية، وتاريخ، وحضارة، وإنسان.

نعم، طُمست ملامحنا في كثير من المنصات الرقمية. نعم، حُرفت معلوماتنا في قواعد البيانات. نعم، حاولوا إقناع العالم بأن "اليمن" كيان واحد لا يتجزأ. لكن الحقيقة تبقى: من عدن إلى حضرموت، ومن أبين إلى المهرة، ومن شبوه إلى سقطرى – هذه أرض لها اسم، ولها تاريخ، ولها شعب يستحق أن يُرى ويُسمع.

#الجنوب
#هويه لاتطمس
#ذاكره الجنوب
#الحق لا يسقط بتقادم
#لتوثيق