آخر تحديث :الإثنين - 19 أكتوبر 2026 - 07:46 م

كتابات واقلام


عدن لا تخاف!

الإثنين - 19 أكتوبر 2026 - الساعة 07:07 م

أحمد محمود السلامي
بقلم: أحمد محمود السلامي - ارشيف الكاتب


عدن لا تخاف؛ لأنها ليست مدينةً عابرةً في جغرافيا المكان، بل حكاية صمودٍ كُتبت فصولها على امتداد التاريخ، وشهادة حيّة على أن المدن التي تسكن قلوب أهلها لا تنكسر بسهولة، مهما اشتدّت العواصف وتكاثرت التحديات.

لماذا لا تخاف عدن؟ لأنها عرفت، عبر تاريخها، أطماع القوى الخارجية، من البرتغاليين والعثمانيين إلى البريطانيين والحوثيين، وعاشت فترات قاسية من القتل والقصف والمعاناة. ومع ذلك، بقيت حاضرة في وجدان أبنائها، رافضةً الخضوع، ومتمسكةً بهويتها. ومن هنا ترسّخت عبارة «عدن مقبرة الغزاة» في الذاكرة الشعبية، تعبيرًا عن إرادة مدينة لم تتخلَّ عن حقها في الحرية، مهما اشتدت المحن وتعاظمت التحديات.

واليوم، حين تواجه عدن تهديدات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، فإنها لا تحتاج إلى إنكار الخطر كي تثبت شجاعتها، ولا إلى تجاهل مخاوف سكانها كي تؤكد صمودها. فالشجاعة الحقيقية أن يتمسك الناس بالحياة رغم التهديد، وأن يرفضوا تحويل الخوف إلى واقع دائم، وأن يجعلوا حماية المدنيين وأمنهم أولويةً لا تقبل المساومة.

عدن وأهلها، ومن يعيش فيها أو يرتبط بهم بالجوار والمصير، يستحقون حياةً آمنة ومستقرةً، بعيدًا عن صراعات السلاح وحسابات القوة. فهذه المدينة التي عُرفت بمينائها وانفتاحها وتنوعها، لا ينبغي أن تُختزل في أخبار القصف والدمار، بل يجب أن تستعيد مكانتها مدينةً للحياة والثقافة والأمل.
إن قوة عدن لا تكمن في الشعارات وحدها، بل في تماسك أهلها، ورفضهم للكراهية، وتمسكهم بالتعايش، وإصرارهم على حماية نسيجهم الاجتماعي. كما أن صمودها لا يعني الاستهانة بالخطر، وإنما مواجهته بالوعي والتضامن، والمطالبة بحق أبنائها في الأمن والكرامة.

لقد أثبت التاريخ أن الاحتلال قد يفرض واقعًا مؤقتًا، لكنه لا يستطيع أن يمحو إرادة الشعوب أو ينتزع منها ذاكرتها. وعدن، بما تحمله من تاريخ وتجارب، تظل رمزًا لهذه الحقيقة.
عدن لا تخاف؛ لكنها تستحق أن تنام آمنةً، وأن تصحو على صوت البحر، لا على دويّ الصواريخ.