آخر تحديث :الإثنين - 26 أكتوبر 2026 - 12:22 ص

كتابات واقلام


زلازل مكتومة في حوار مسقط بين قيادات و مشائخ حزب الاصلاح مع الحوثيين

الأحد - 25 أكتوبر 2026 - الساعة 11:50 م

محمد مساعد
بقلم: محمد مساعد - ارشيف الكاتب


زلازل مسقط المكتوم.. حين يلتقي الإصلاح ومشايخ مأرب بالحوثيين على مائدة الرمال والسياسة:
‏
‏قراءة في تداعيات التقارب على رقعة الشطرنج اليمنية
‏
‏​ خلف أستار مسقط وهدير اليمن ‏​تحت ظلال "مسقط" الهادئة، حيث تحط أسراب الدبلوماسية رحالها بعيداً عن صخب الميدان، يدور خلف الكواليس حوارٌ تحيط به أسرار لتنظيم الشك، ويلفه غبار التاريخ المحمل بالخصومة والدم ظاهرياً، والتخادم المضمر في ثناياه. إنه اللقاء المتجدد والخفي بين قيادات حوثية، و قيادات في حزب الإصلاح فرع التنظيم الدولي للإخوان المسلمين في اليمن، ووجاهات قبلية مأربية، برعاية وساطة عمانية لا تهدأ. .
‏هذا الحوار ليس مجرد جولة تفاوضية عابرة، بل هو تحول زلزالي في خارطة التوازنات اليمنية، تستعرض السطور التالية كنهه، دوافعه، وموجاته الارتدادية العميقة على الفاعلين الإقليميين والمحليين.
‏
‏​أولاً: كُنْه الحوار وماهيته
‏​ليس الحوار الجاري بين الأقطاب الشمالية اندماجاً فكرياً ولا تحالفاً استراتيجياً مُبرماً على نيات صافية، بل هو أقرب إلى مهادنة اضطرارية، أو حوار المصلحة المتقاطعة.
‏​يكمن كنه هذا الحوار في محاولة الأطراف الأبرز على الساحة الشمالية لا سيما تمكين الحوثين من استكمال بسط نفوذه على غرب وجنوب غرب صنعاء وشرقها مضاف اليه البحث عن قواعد اشتباك جديدة، وهو حوار يتجاوز أدبيات العقيدة والصراع الأيديولوجي الصارم، ليدخل في حيز الشفافية البراغماتية: كيف يدير الغريمان التقليديان ظاهريا المتخادمان خفية مساحات النفوذ دون أن يلتهم أحدهما الآخر، في ظل تحولات إقليمية ودولية عاصفة راهنة وقادمة تضغط على الجميع لتقليل الخسائر.
‏
‏​ثانياً: جذور الخذلان.. من تسليم تعز وانكفاء جبهتي مأرب والجوف إلى طاولات مسقط.
‏​لا يمكن فهم الحوار الجاري في مسقط بمعزل عن مخاضه الميداني المظلم الذي سبقته؛ إذ إن هذا التقارب هو امتدادٌ طبيعي و«بلورة سياسية لتسويات ميدانية سابقة» جرت على الأرض في محافظة تعز.
‏​فحين تتلاقى قيادات تعز ومأرب السياسية والقبلية المحسوبة على جماعة الإخوان مع الحوثيين، يعود الذاكرة الورائية إلى المشهد القاتم حين سُلّمت المواقع العسكرية والمعسكرات الكبرى ومخازن السلاح الثقيل في الكدحة ومقبنة وجبل حبشي وما جاورها من سلاسل جبلية استراتيجية لمليشيا الحوثي سلمياً ودون أدنى مقاومة أو مواجهات حقيقية.
‏​لقد أدى ذلك الانسحاب المدبر إلى تمكين المليشيا من السيطرة على مفاصل حيوية وصولاً إلى التهديد المباشر لباقي مناطق تعز والساحل الغربي وصولاً إلى تخوم باب المندب. وتوج حزب الإصلاح بمحافظة تعز ذلكم المشهد حينذاك بإصدار بيان رسمي أعلن فيه الاستسلام، ووجه مقاتليه بترك السلاح والانسحاب الفوري من المواقع العسكرية وتسليمها للحوثيين، مع الالتزام التام بكافة الترتيبات والإجراءات الأمنية والعسكرية التي تصدرها الجماعة.
‏​واليوم، يأتي الحوار في مسقط ليُشكل حلقة الوصل الأخيرة؛ فهو ليس إلا ترجمة سياسية وتتويجاً لتلك التفاهمات الميدانية الخفية، وهروباً نحو الانكفاء في مأرب والجوف، بغرض جني الثمار السياسية لتسليم الأرض وتحويل صفقات الميدان إلى اتفاقيات شرعنة سياسية مكتملة الأركان.
‏
‏​ثالثاً: دواعي الحوار وأسبابه
‏​لم تجتمع الأضداد على طاولة واحدة إلا تحت وطأة عوامل ضاغطة فرضتها تحولات الواقع المعاش:
‏​تغير الخارطة الإقليمية: إعادة رسم التحالفات والتقاربات الدبلوماسية الكبرى في المنطقة فرضت على الفرقاء المحليين التكيف مع مرحلة "تهدئة الصراعات بالوكالة".
‏​المأزق الميداني والعسكري: استنزاف القوى طوال سنوات الحرب جعل كل طرف يدرك عجز الخيار العسكري الحاسم عن استئصال الآخر، خصوصاً بعد أن أثبت "تجارب التسليم السلمي" قدرة الأطراف على تقاسم النفوذ بلا حرب.
‏​إعادة ترتيب البيت الجنوبي والشرقي:
‏تمدد قوى جديدة في مناطق النفوذ المحررة أوجد شعوراً متزايداً لدى الطرفين بالتهديد المشترك لمستقبل نفوذهما التاريخي في الدولة والسلطة.
‏​الملف الإنساني وتوريد الثروات:
‏ملف الاقتصاد، وصرف المرتبات، وعائدات النفط والغاز في مأرب، وإدارة الموانئ؛ وهي ملفات ضاغطة تتطلب تفاهمات مباشرة لا تسعها بيانات الإعلام.
‏
‏​رابعاً: من الساعي إلى الحوار؟
‏​لم يكن السعي نحو هذه الطاولة وليد رغبة أحادية، بل كان تقاطع إرادات رعتها يد عُمانية خبيرة:
‏تسعى مسقط دوماً للعب دور الجسر وبناء شبكات أمان تمنع الانفجار الكامل، مؤمنة بأن الحوار الشمالي- الشمالي هو مفتاح التهدئة المستدامة، لغرض في نفس يعقوب ...
‏​جماعة الحوثيين: تسعى لاختراق صفوف الشرعية، وتحييد المكون العسكري والقبلي الأكثر تنظيما في وجهها، وضمان خطوط أمنية هادئة لمناطق سيطرتها.
‏​قيادات حزب الإصلاح ووجاهات مأرب: تسعى للحفاظ على بقائها السياسي والعسكري في معاقلها التاريخية، والبحث عن خيارات بديلة تحمي ثقلها في حال نضجت تسوية شاملة بمعزل عنها، مستندة إلى رصيد سابق من التفاهمات الميدانية غير المعلنة.
‏
‏​خامساً: النتائج التي رشحت من الحوار: ​
‏رغم كتمان الضيوف وصمت الراعي العُماني، فإن الرشح عبر ثقوب الدبلوماسية يشير إلى محطات حذرة: ​تفاهمات الملف الإنساني والميداني التوصل إلى خطوط تجديد غير معلنة للتهدئة في الجبهات، وتبادل جزئي للأسرى والمعتقلين بعيداً عن الطاولات الأممية.
‏​فتح قناة اتصال مباشرة: تدشين تواصل مباشر بين قيادات الصف الأول يكسر جمود سنوات الحرب ويمنع التصعيد غير المحسوب.
‏​جس نبض الثروات والشراكة: نقاشات أولية حول تدفق السلع وإدارة الموارد، ورسم رؤية مبدئية لرفض أي إبعاد للطرفين من خارطة اليمن المستقبلية.
‏
‏​سادساً: تداخل المسارات (حوار مأرب القبلي والسياسي)
‏​تجتمع على طاولة مسقط مساران متكاملان؛ المسار القبلي المأربي (المتمثل في وجاهات قبيلة مراد وبكيل والشيخ ربيش بن كعلان)، والمسار السياسي الحزبي (حزب الإصلاح).
‏​حيثيات المسار القبلي: تنطلق من اعتبارات وجودية؛ حماية النسيج الاجتماعي، تأمين المناطق، وإخضاع لغة السلاح لسلطة الأعراف والأسلاف لحماية مأرب من الدمار.
‏​حيثيات مسار الإصلاح: تنطلق من اعتبارات سياسية ومؤسسية؛ صون النفوذ، وحجز مقعد رئيسي في معادلة السلطة والثروة بعد عقود من المراوغة وتسليم المعسكرات.
‏​المآلات المستقبلية: يتكامل المساران في توفير "غطاء أمان مزدوج" لمأرب؛ فالضغط القبلي يحمي الأرض ميدانياً، بينما يمنح الحوار السياسي مرونة في المناورة بالملفات العليا، لتشكل هذه التقاطعات النواة الصلبة لأي تفاهم "شمالي-شمالي" قادم.
‏
‏​سابعاً: التداعيات العميقة لحوار مسقط (سلباً وإيجاباً على الأطراف الثلاثة الفاعلة)
‏​1. القوات الجنوبية والمجلس الانتقالي الجنوبي
‏​الجانب السلبي "التهديد والقلق الاستراتيجي": تنظر القيادة الجنوبية وقواتها المسلحة الباسلة والمقاومة الجنوبية الاصيلة إلى هذا التقارب بعين الاستنفار البالغ؛ فهو يُقرأ كإرهاص مبكر لتشكيل «تكتل شمالي خفي» يعيد تدوير ذات القوى التي أدارت معارك التسليم والتسلم مع الحوثيين، للالتفاف على القضية الجنوبية وتوجيه بوصلة الضغط لاحقاً نحو الجنوب وثرواته. هذا مدعاة ميدانياً وسياسياً إلى الشعور بضرورة الاستعداد لمواجهة أمر واقع شمالي موحد.
‏​الجانب الإيجابي "الصلابة والتحصين الذاتي": على الصعيد الإيجابي، يعمل هذا التقارب كمحفز استراتيجي يوقظ صفوف البيت الجنوبي؛ إذ يرفع من وتيرة رص الصفوف، ويعز الجاهزية القتالية على طول خطوط التماس التاريخية، ورفض أي تسويات منقوصة تتجاهل تطلعات شعب الجنوب بحريته وكرامته واستقلاله، ويوحد الجبهة الداخلية الجنوبية حول التمسك بمبدأ حق تقرير المصير واستعادة دولة الجنوب العربي كاملة السيادة على كل ترابها الوطني وبحارها ومياهها الاقليمة المعروفة بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والمعترف بها دوليا وعربيا واقليميا قبل 22مايو 1990م المشؤوم.
‏
‏​2. دولة الإمارات العربية المتحدة
‏​الجانب السلبي (تأكيد المخاوف وتعزيز الارتياب): بالنسبة لأبوظبي، يُعد هذا الحوار دليلاً ساطعاً على صحة قراءتها الاستراتيجية المبكرة تجاه تيار الإسلام السياسي (الإخوان المسلمين) وسلوكهم العملياتي، حيث تراه ممارسة براغماتية بحتة بدأت بتسليم المعسكرات في تعز بلا مقاومة، وتتوج اليوم بعقد صفقات وجودية مع الخصم العقائدي (الحوثي) بمعزل عن أي التزامات وطنية أو تحالفات عربية سابقة.
‏​الجانب الإيجابي " ترسيخ التحالفات الميدانية وإعادة التموضع ": يتيح هذا التطور لدولة الإمارات فرصة سياسية ودبلوماسية واضحة لترسيخ وتكثيف دعمها العسكري واللوجستي لشركائها الموثوقين على الأرض " القوات الجنوبية والاحزمة الامنية والنخب العسكرية وقوات الامن ومكافحة الارهاب"
‏مضاف اليها القوات المشتركة في الساحل الغربي والمقاومة الشعبية ، مما يسهم في تحصين المكتسبات الأمنية والاستراتيجية في المحافظات الجنوبية المحررة، وقطع الطريق على أي محاولات إعادة تدوير النفايات السياسية الحزبية
‏ولتفعيل نفوذها مجددا من خلال فتح أكشاك حزبية بمسميات جديدة ك المجالس وغيرها
‏
‏​3. المملكة العربية السعودية
‏​الجانب السلبي " خطر التفرد بالحل وتجاوز المظلة الإقليمية " : تواجه الرياض هواجس مقلقة تمثلت في خشية التفرد بالحل ؛ إذ تخشى المملكة أن تنتج تفاهمات مسقط كياناً هجيناً يعيد إنتاج النفوذ الحوثي بغطاء شمالي واسع يفرغ جهود التحالف من مضمونها، ويضعف أوراق الضغط الميداني التي طالما لوحت بها الرياض لإجبار الحوثيين على تسوية شاملة ومستدامة تحمي الأمن القومي السعودي والاقليم
‏​الجانب الإيجابي " فرصة لاختبار النوايا وضبط إيقاع التسوية " : في المقابل، تمنح هذه القنوات المفتوحة صانع القرار السعودي نافذة استخباراتيّة وسياسية لجس نبض الفاعلين الشماليين، ودفعهم نحو أطر التسوية التي ترعاها المملكة، فضلاً عن دفع الأطراف نحو اختبار جدي لجدية الحوثيين في أي تهدئة حقيقية تضمن تأمين الحدود الجنوبية للسعودية وتغلق نافذة الصراع المفتوح.
‏​
‏ختاما ​إن حوار مسقط ليس مجرد استراحة محارب عابرة، بل هو زلزال تكتوني يعيد صياغة توازنات القوة في خارطة اليمن الممزقة. إنه حلقة الوحدة المفقودة التي تربط بين " بيانات الاستسلام وتسليم المعسكرات في تعز " وبين " طاولات التفاوض السرية في عُمان ". إنه يمنح الحوثي طوق نجاة لكسر عزلته، ويكشف عري البراغماتية الحزبية والقبلية في الشمال، ويضع التحالف والشرعية والجنوب أمام حقيقة دامغة مفادها : أن صراعات الغد لم تعد تُدار بقعقعة السلاح فحسب، بل تُنسج خيوطها في الغرف المغلقة بقواعد مغايرة تماماً لما كان عليه الأمس.
‏
‏وللحديث بقية...
‏
‏
‏ م محمد بن مساعد النقيب
‏
‏ العاصمة عدن
‏ 25 اكتوبر 2026م

،