آخر تحديث :السبت - 31 أكتوبر 2026 - 07:29 م

كتابات واقلام


ما وراء كواليس جنيف... حين تُصاغ الأجندات وتُختبر إرادة الجنوب

السبت - 31 أكتوبر 2026 - الساعة 07:28 م

صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص - ارشيف الكاتب


إن مثل هذه المؤتمرات، التي تُعقد في المؤسسات والمقار الدولية، لا تأتي في الغالب وليدة الصدفة، ولا تُنظَّم بمعزل عن الحسابات السياسية الدقيقة، بل تقف خلفها عقول تخطط، ورؤى ترسم، وأهداف يُراد الوصول إليها وفق حسابات مدروسة. فاختيار المكان والزمان، وانتقاء الشعارات والعناوين البراقة، وتحديد المشاركين، ورسم جدول الأعمال، كلها تفاصيل تُدار بعناية فائقة، وقد تبدو في ظاهرها مساحة للحوار وتبادل الرؤى، بينما تتحرك في إطار سياسي مرسوم سلفاً، له غاياته وأبعاده.

ويُترك للمشاركين هامش لطرح أفكارهم وتقديم رؤاهم، لكن ضمن قوالب وأطر محددة، صُممت مسبقاً لتوجيه النقاش نحو مسارات بعينها، وبما يخدم التصور الذي أُعدّ له المؤتمر.

إن عالم السياسة بحر عميق، وأفق واسع، لا يدرك أبعاده إلا من امتلك أدوات الفهم والتحليل والاستشراف. فهي ليست مجرد قراءة للحظة الراهنة، بل هي قدرة على استيعاب دروس الماضي، وفحص معطيات الحاضر ومتطلباته، واختيار الآليات المناسبة للتعامل معه بحكمة واتزان، إلى جانب استشراف المستقبل، ووضع النظريات والسيناريوهات التي يمكن السير بموجبها، مع دراسة أسوأ الاحتمالات، وتقدير ما قد يترتب عليها من نتائج وانعكاسات، وصولاً إلى تحقيق الأهداف التكتيكية والاستراتيجية.

هكذا هي السياسة؛ علم قديم متجدد، وفن لا يتقنه إلا من يجيد قراءة التفاصيل وما وراءها. والسياسيون المهرة يعزفون على أوتار دقيقة وحساسة، لا يحسن العزف عليها إلا المتمرس، ولا يدرك أبعاد ألحانها إلا صاحب الحس السياسي المرهف؛ فهناك من يفهم الموسيقى، وهناك من يكتفي بالتصفيق، وهناك من يرقص على إيقاعها دون أن يدرك من يعزف ومن يحدد اللحن!

أما ما يتعلق بمؤتمر الأمس القبلي في جنيف بما يعرف بمؤتمر ميثاق الشرف القبلي، الذي انعقد باسم اليمن، وتحت علمه وشعاره ونشيده الوطني، فإن المسألة تتجاوز مجرد انعقاد مؤتمر أو تبادل أوراق وأفكار. فثمة تساؤلات جوهرية تفرض نفسها حول دلالات هذا التمثيل، والرسائل السياسية التي يحملها، والنتائج التي قد تترتب عليه.

فحين تُطرح قضية الجنوب ضمن إطار سياسي يحمل اسم اليمن ورموزه وهويته الوطنية، دون أن يكون للجنوب تمثيل يعكس خصوصية قضيته وإرادة شعبه، فإن ذلك يفتح الباب أمام مخاوف حقيقية من إعادة إنتاج القضية الجنوبية داخل أطر سياسية لا تعبّر بالضرورة عن جوهرها أو تطلعات أصحابها.

إن خطورة ما جرى، لا تكمن في انعقاد المؤتمر بحد ذاته، بل في ما قد يؤسسه من تصورات ومسارات سياسية، وفي ما يمكن أن يترتب عليه من تهميش للهوية السياسية للقضية الجنوبية أو تجاوز لمضمونها.

فالسياسة لا تُقرأ بما يُقال على المنصات وحده، بل بما يُراد تحقيقه من خلفها، وبما تتركه مخرجاتها من آثار على الأرض.

وهنا تكمن أهمية قراءة المشهد بوعي، بعيداً عن الانبهار بالعناوين والشعارات، وقبل أن تتحول التفاصيل التي تبدو عابرة اليوم إلى حقائق سياسية يصعب تغييرها غداً.