آخر تحديث :الجمعة - 19 أبريل 2024 - 11:25 ص

من تاريخ عدن


حامد لقمان ..  مقرر اجتماعات المجلس الاداري لشركة مصافي عدن

السبت - 16 أبريل 2022 - 03:09 م بتوقيت عدن

حامد لقمان ..  مقرر اجتماعات المجلس الاداري لشركة مصافي عدن

عدن / خاص

توفي الأستاذ المرحوم حامد لقمان في ابريل 1992م،  فمرت الايام و الشهور و الأعوام سراعا في فترة من الزمن بلغت 25 عاما .. ربع قرن .. و كأننا لم نلبث اثناءها  الا عشية او ضحاها.
لذا .. لا تزال صورة الاستاذ الباسمة ماثلة في خيالي، هيئته  بقميصه  ذي الأكمام الطويلة و رباط عنقه الانيق و هو قابع وراء مكتبه كضابط علاقات عامة يمارس عمله  باقتدار و بكاريزمية  لها  القدرة في التأثير على الآخرين و جذبهم اليه حينما يتحدث معهم.  و كنت انا من اكثر الأشخاص انجذابا للإستاذ و الإنصات لأحاديثه في مختلف المواضيع الزاخرة بالمعلومات العامة  بما  ينفع الناس.

واذكر انه حينما خطر لي المساهمة في  مجلة اخبار المصافي الاسبوعية (التي كان يرأس تحريرها الاستاذ حامد لقمان و تيتمت بعد رحيله ثم ما لبثت ان لحقت به فرحلت بعده) كتبت مقالة و ارسلتها مشفقا عليها من رميها في سلة المهملات.  و كم كانت سعادتي ان رايت الاستاذ ينشرها  في احدى الصفحات و يشجعني على المداومة في الكتابة .. و توالت كتاباتي و نشرها و من ثم تيسر لي نمو العلاقات مع الأستاذ فاذا به يحنو علي و يحيطني برعايته و اهتمامه و اذا بكتاباتي تتبؤ الصفحات البارزة في المجلة.

وحينما اوكلت لنا شركة المصافي مهمة انشاء قسم عربي في مكتبة نادي البريقة عملنا معا على اختيار وشراء الكتب .. و كانت صحبته طوال تلك المهمة  قد سهلت لي التعرف عليه اكثر و اكثر .. و عرفت الكثير من اهتماماته الأدبية و الفكرية و الموسيقية  و ما كان ارقاها من اهتمامات.  و كنا ذات مساء نتجاذب اطراف الحديث  او بالأحرى غالبا هو المتحدث و انا المنصت المستفيد ..فاذا به يسألني فجأة قائلا: هل سمعت اغنية وردة  "لا تقل ضاع حبي من يدي؟"
عجبت لسؤاله .. فقد عهدته مغرما باغاني أم كلثوم و عبدالوهاب .. و لكني تذكرت ان اغنية وردة التي يتساءل عنها كانت من كلمات  شاعر اسمه ابراهيم عيسى و الحان رياض السنباطي.  فاجبته باني سمعتها .. و اضافة الى غناء وردة سمعتها ايضا باداء رياض السنباطي نفسه .. ثم اخذنا نستعرض ابيات القصيدة و كيف صاغها رياض السنباطي الحانا و كيف ادتها وردة غناء.  و لكن الاستاذ توقف كثيرا عند البيت الذي يقول:
ام رأيت  الهجر دلا و اقتدارا  .. فتناسيت ليالينا السكارى
فقد تأثر كثيرا بهتاف وردة بهذا البيت الذي قام السنباطي بترجمته موسيقيا بمهارته الفائقة في تلحين القصائد ..فتمكن من ان يجعل وردة تنفعل في اداء هذا البيت و بالتالي ينفعل المستمع لهتافها.

و ان نسيت الكثير من مناقب الاستاذ فلن انسى انه كان ذا المام متميز باللغة الانجليزية .. كتابة و نطقا و معرفة بمختلف المصطلحات المتداولة .. إذ كنا في نهاية طوافنا بالمكاتب  نمر بالشيخ عثمان للتسوق السريع قبل العودة الى عدن الصغرى .. و عندما مررنا بمحاذاة الباعة على رصيف شارع مسجد النور كان احدهم قد افترش الارض و عرض بعض المنتجات المحلية  و منها السفرجل .. فتوقف الاستاذ و سألني هل تعرف اسم السفرجل باللغة الانجايزية؟
لم احر جوابا حيال ذلك السؤال .. اعرف الاسماء باللغة الانجليزية للموز و التفاح و البرتقال و الفرسك .. اما السفرجل .. فقد غلب حماري كما يقولون  .. فارتسمت على وجه الاستاذ ابتسامة ملؤها الرقة و العطف ثم قال: السفرجل باللغة الانجليزية هي "كوينس"  ثم هجاها لي بالحروف الانجليزية : q-u-i-n-c-e ..  لكم كان ضليعا في اللغة العربية و ما هذه الطرفة الا على سبيل التفكه  لا علاقة لها بما يتميز به  الا ستاذ من تبحر في اللغة الانجليزية.

وختاما انهي هذه الومضات بوصف سلوكه و هو يضطلع بمهام مقرر اجتماعات المجلس الاداري لشركة المصافي.  و هي مهام تستدعي ادراك الشخص القائم بها للمسؤولية الملقاة على عاتقه من كتابة المحاضر و حفظها و التكتم الشديد لما دار اثناء اجتماعاتها إلخ ..  و في احد الاجتماعات  كان من ضمن المواد المطروحة للنقاش  و اتخاذ الاجراءات المناسبة غرض لي يناقشه المجلس الاداري .. و كنت كلما التقي بالاستاذ اطرح الموضوع من طرف خفي كي استدرجه الى ما تم من اجراء بصددي .. و لكن هيهات .. سرعان ما كان يغير الموضوع بلباقة فاذا بنا نتحدث في غيره.  غير ان مدير المصافي اتصل بي تلفونيا و اخبرني باقتضاب ان موضوعي نوقش و انتهى الى ما يرام.  و كذلك اتصل بي ممثل المنظمة القاعدية و كان اكثر تفصيلا و ابلغني بمثل ما ابلغني به مدير المصافي و زف الي التهاني.
كل ذلك و استاذي قد احاط نفسه بتحفظ ما بعده تحفظ التزاما منه بالامانة التي يتحملها و تلزمه بالتكتم بما يدور في اجتماعات المجلس الادراي و كانه لم يكن حاضرا و مقررا لها .. و قد كنت على وشك ان اعاتبه .. اذ كنت احبذ ان اعرف النبأ المفرح عن طريقه .. و لكني احجمت .. و اكبرت فيه ذلك الالتزام الذي ما بعده التزام بما عهد اليه.

رحم الله استاذي و تقبله قبولا حسنا.

منشور عمر جبالي : ومضات في حياتي مع الاستاذ حامد لقمان.