آخر تحديث :السبت - 31 يناير 2026 - 10:12 م

كتابات


في هوامش الخطاب الإعلامي .. المشهد الراهن أفرز صدمتين متعاكستين

السبت - 31 يناير 2026 - 08:40 م بتوقيت عدن

في هوامش الخطاب الإعلامي .. المشهد الراهن أفرز صدمتين متعاكستين

كتب / احمد عبد اللاه

ما تزال النشوة والهيصة الإعلامية في ذروتهما، وكأن الشقيقة دمّرت خط بارليف أو عبرت إلى الضفة الأخرى من القناة، لا مجرد عملية جوية في صحراء مفتوحة، لا تمنح الأقوى، بالضرورة، شرف النصر، فالعملية تم توظيفها كل حسب هواه، حتى إن أحد الإعلاميين الخليجيين ذهب إلى القول بأن المملكة «أسست الوحدة اليمنية الثانية»، على اعتبار أن الأولى ضاعت في الزحمة.


برّرت السعودية حملاتها الجوية بأنها تدافع عن أمنها، وهذا يعني أن مدفعية جنوبية في صحراء حضرموت تشكّل خطراً يفوق خطر صاروخ باليستي حوثي يهدد منشآتها الحيوية. ولإقناع الداخل، تم تدوير مزاعم "تمدد النفوذ الإسرائيلي" في خطاب لا يختلف كثيراً عن أساليب التخويف الشعبوي، بل يُعدّ واحدة من أكثر النكات السوداء تداولاً في تاريخ الخطاب السياسي السعودي الحديث، خاصة وأن كثير من المسؤولين و الإعلاميين السعوديين والخليجيين وفقهاء الإفتاء، حتى وقت قريب، ظلوا يؤكدون بأن سياسات ايران تمثل التهديد الأكبر.


والحقيقة ان الخوف من "توسع إسرائيل" ظل وما يزال كليشيه ثابتة في الخطاب العربي منذ عقود، يستدعى بوصفه أداة تبرير أكثر منه إطاراً للفعل، وفي المقابل لا يترسخ في المنطقة سوى عجز العرب التاريخي في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني.


للتذكير فقط: منذ انطلاق الحراك الجنوبي، لم تتوقف محاولات شيطنته؛ مرة بوصفه "قاعدياً"، ومرة "إيرانياً"، واليوم يُربط بمشاريع "شرق أوسط جديد" أو غير ذلك. العناوين تتبدّل، لكن الهدف واحد: طمس جوهر القضية، وتحويلها إلى فزاعة أمنية جاهزة.


رئيس الاستخبارات السعودية سابقاً لم يتأخر في التلميح إلى ذلك "الخطر الإسرائيلي"، وهو الذي أكد في مقابلة قديمة أن حرب 94 انطلقت رداً على إعلان الانفصال. وباعتباره واحد من الصقور الذي يتمتع بقدر من الجرأة فإن لديه مقاربات متعددة كان آخرها عن ظاهرة ترامب بأنها تمثل نهاية الليبرالية الغربية، في محاولة استحضار ما بعد "نهاية التاريخ" كما تخيّلها فرانسيس فوكوياما.

تلك لغة تتناقض مع سلوك ومواقف المملكة سواء تجاه حرب 94 أو حتى موقفها من "المدرسة الترامبية" التي امتدحها أهم إعلاميي المملكة المقرب من النظام.

ما علينا! فقط للتوضيح بأن هناك تيارات في البيت الواحد وأنه لا ثبات في السياسات.


المشهد الراهن أفرز صدمتين متعاكستين:


الأولى أصابت قطاعاً واسعاً من الشارع الجنوبي واشعلت موجات من الغضب. أما الثانية، فكانت صدمة فرح أنعشت خصوم القضية الجنوبية، فيما تفرغت قناتا العربية والحدث لتغطية "المعجزة السعودية" وتداعياتها بوصفها إنجازاً تاريخياً، بالتوازي مع إجراءات احتواء المشهد الجنوبي، وتفويج نخب متعددة المستويات لحضور الحوار.


ما يجري اليوم يكشف مفارقات لافتة: تغييراً سريعاً في المشهد الجنوبي، وكسراً لمعادلة تشكّلت عبر سنوات من التضحيات. غير أن الأكثر دلالة ليس التحوّل بحد ذاته، بل ذلك الزخم الاحتفالي الذي جمع أطرافاً على اختلاف المشارب والمضارب، وكأنهم تشاركوا أخيراً في حفلة زار إعلامية تسبق على الأرجح إفاقتهم المحتومة.


حسناً، لا يبدو أن المملكة قد تقبل دولة جنوبية وإنما تميل، على الأرجح، إلى صيغة اتحادية هشّة تُدار تحت مظلتها، بذريعة ان اليمن بحاجة إلى زمن للتعافي، وبما يتيح لها نفوذاً محدد على ما يمكن تسميته بـ"المناطق المفيدة". ذلك يمكن قراءته وفق معطيات الحاضر دونما حساب لأي متغيرات قادمة.


في المحصلة؛ تلك التوجهات مهما بدت، ليست قدراً واقعاً. فما يجري لا يُمكن اعتباره مساراً نهائياً؛ إذ إن الفصول لم تكتمل بعد، والدائرة لم تُغلق. فالمتغيّرات في الداخل، كما في الإقليم، تتسارع بوتيرة أعلى مما يتصوّره كثيرون.