في كل مرة تشهد فيها اليمن إعلان تشكيل حكومي جديد، يتكرر المشهد ذاته: قاعة رسمية، بدلات أنيقة، وجوه مطمئنة، ويدٌ تُمد بثقة لتلامس المصحف الشريف. تُتلى كلمات اليمين الدستوري بوضوح، وكأنها وعد أخلاقي وسياسي لا يقبل التأويل. غير أنّ هذا المشهد، على ما يحمله من رمزية، كثيرًا ما يفقد أثره بمجرد انطفاء عدسات الإعلام، لتبدأ مرحلة أخرى لا تشبه روح القسم ولا مقاصده.
في مجتمع محافظ كالمجتمع اليمني، لليمين على المصحف قدسية خاصة، تتجاوز الإطار القانوني إلى بعدٍ أخلاقي وديني عميق. فاليمين هنا ليس إجراءً بروتوكوليًا، بل عقد ثقة بين الحاكم والمحكوم، وتعهدٌ علني بحماية الحقوق، وصون الكرامة، وإدارة الشأن العام بأمانة ومسؤولية. وحين يُنتهك هذا العهد، لا يكون الأمر مجرد إخفاق إداري أو تعثر سياسي، بل سقوط أخلاقي يطال جوهر العلاقة بين الدولة ومواطنيها.
المفارقة المؤلمة أن المواطن، الذي يكابد يوميًا لتأمين لقمة عيشه في ظل أزمات متراكمة، يرى من أقسم على خدمته وحمايته يتجاهل معاناته، أو يشرعن الفساد، أو يلوذ بالصمت أمام الانهيارات. عندها لا تسقط الثقة في الأشخاص فحسب، بل تتآكل هيبة الدولة نفسها، ويصبح الدستور نصًا معلقًا بلا نفاذ، واليمين كلماتٍ بلا أثر.
إن أخطر ما تواجهه الدول في مراحل التحول والأزمات ليس نقص الموارد وحده، بل غياب الالتزام الأخلاقي لدى من يتصدرون المشهد. فالدولة لا تُبنى بالشعارات ولا بالمراسم، بل بالوفاء بالعهود، واحترام القسم، وترجمة النصوص الدستورية إلى سياسات عادلة وأفعال ملموسة. وحين يتحول اليمين الدستوري إلى مجرد طقس شكلي، فإن الضمير العام هو أول ما يغادر القاعة.
استعادة ثقة الشارع اليمني لا تبدأ بتغيير الوجوه، بل بإعادة الاعتبار لمعنى القسم، وربط السلطة بالمساءلة، والكلمة بالفعل. فإما أن يُصان اليمين وتُحترم قدسيته، أو يبقى السؤال مفتوحًا: أي دولة يمكن أن تقوم، إذا كان الدستور لا يُنفَّذ، والقَسَم لا يُصان؟