تمر علينا ذكرى السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك، لتستحضر في الوجدان العدني محطةً تاريخيةً فارقة لا يمكن أن تمحى من ذاكرة المدينة وأبنائها، فهذا اليوم لم يكن مجرد تاريخ في تقويم الأيام، بل كان لحظة تحول مفصلية جسدت إرادة الحياة في وجه الظلام، وأعادت لعدن مكانتها كمدينة عصية على الانكسار، لقد كان يوم “فرقان” حقيقي، انقشع فيه غبار الكهنوت عن سماء المدينة، وأعلنت عدن من خلاله للعالم أجمع أنها مدينة لا تهزم، وقلعة للكرامة، ومقبرة لكل مشروع يحاول النيل من هويتها وتاريخها وطهارة أرضها.
وعندما أستحضر تلك الأيام، فإنني لا أتذكرها بصفتي أكاديمياً أو مسؤولاً فحسب، بل بوصفي شاهداً عاش تفاصيل تلك المرحلة بكل ما حملته من آلام وتحديات، كنا نعيش لحظات عصيبة، نراقب الوضع الصحي وهو يترنح تحت ضغط العدوان والحصار، فيما كانت المستشفيات تتحول إلى خطوط مواجهة وصمود حقيقية، في غرف العمليات وأروقة الطوارئ، امتزج “مشرط” الطبيب بـ“بندقية” المقاوم، في مشهد يجسد أسمى معاني التضحية من أجل الحياة، لقد عانت عدن حينها حصاراً خانقاً ونقصاً حاداً في أبسط مقومات العيش، لكن إرادة أبنائها كانت الترياق الحقيقي الذي لم يحسب له الغزاة حساباً، فصمدت المدينة وأهلها حتى بزغ فجر النصر.
إن هذا الانتصار لم يكن وليد صدفة عابرة، بل كان ثمرة تلاحم بطولي بين أبناء عدن الأوفياء ومقاومتها الجنوبية الباسلة، وفي هذه الذكرى الخالدة، لا بد أن نقف بإجلال أمام القيادات السياسية والأمنية والعسكرية والميدانية من أبناء عدن الشجعان، الذين ثبتوا في مواقعهم يوم اهتزت الأرض تحت أقدام الكثيرين، فاختاروا التقدم لا التراجع، ووضعوا أرواحهم على أكفهم دفاعاً عن مدينتهم وأهلهم، لقد جسدوا معنى القيادة الحقيقية، تلك التي تقوم على الموقف والتضحية قبل أن تكون منصباً أو مسؤولية شكلية.
كما سطر أبناء عدن بمختلف فئاتهم أروع صور البطولة والتكافل، فقد رأينا شباباً لم يعتادوا حمل السلاح يتحولون إلى أسودٍ تدافع عن أحيائهم ومدينتهم، في كريتر والمعلا والتواهي والمنصورة والشيخ عثمان ودار سعد والبريقة، وفي المقابل جسدت نساء عدن نموذجاً فريداً للصبر والعطاء، حيث شاركن في صناعة الصمود بصبرهن ودعمهن المستمر، أما الكوادر الطبية، فقد وقفت في الصفوف الأولى، تعمل تحت أزيز الرصاص وتحديات الخطر، مداوية جراح الوطن ومقدمة مثالاً نبيلاً للتفاني في خدمة الإنسان والحياة.
وفي خضم هذه الذكرى العظيمة، يظل من الواجب الأخلاقي والوطني أن نجدد عميق الشكر والتقدير لأشقائنا في دول التحالف العربي، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، فقد كانت مواقفهم الأخوية الصادقة إلى جانب أبناء عدن تجسيداً حقيقياً لوحدة المصير العربي وروح التضامن بين الأشقاء، ولم يكن دعمهم مقتصراً على الجانب العسكري فحسب، بل امتد ليعكس شراكة أخوية صادقة في الدفاع عن الأمن والاستقرار، لقد امتزجت دماء أشقائنا من السعودية والإمارات بدماء أبناء عدن في ميادين الشرف، وقدموا الشهداء في سبيل تحرير المدينة وتطهيرها من المشروع السلالي المظلم، فكانوا شركاء في صنع هذا النصر، وسيظل لهم في ذاكرة عدن وأجيالها القادمة مكانة من الوفاء والتقدير.
لقد شكل انتصار السابع والعشرين من رمضان انتصاراً لقيم المدنية في مواجهة الهمجية، وانتصاراً للنور على الظلام، ففي ذلك اليوم استعادت عدن أنفاسها وبدأت تتنفس الحرية من جديد، وفتحت صفحة جديدة من تاريخها، غير أن الوفاء الحقيقي لشهداء تلك الملحمة لا يكتمل بالاحتفاء بالذكرى وحدها، بل يتحقق من خلال العمل الجاد لبناء هذه المدينة العظيمة وتعزيز مؤسساتها، والارتقاء بقطاعاتها التعليمية والصحية والخدمية، فعدن التي ضحى أبناؤها بالأمس دفاعاً عنها، تستحق اليوم أن نبذل كل الجهود من أجل نهضتها واستقرارها، وأن نكون على قدر طهر دماء شهدائها وعظمة تضحيات أبطالها.
عاشت عدن حرةً أبية، شامخة بتاريخها وأهلها.
الرحمة والخلود لشهدائنا الأبرار، والشفاء العاجل للجرحى، والعهد باقٍ على مواصلة طريق البناء والحرية.
رئيس جامعة عدن