آخر تحديث :الجمعة - 27 مارس 2026 - 10:25 م

اخبار وتقارير


مضيق هرمز بين الجغرافيا الصلبة ومعادلات الفتح الممكنة

الجمعة - 27 مارس 2026 - 08:37 م بتوقيت عدن

مضيق هرمز بين الجغرافيا الصلبة ومعادلات الفتح الممكنة

أ.د.عبدالوهاب العوج*

ان تحول طبيعة الصراع البحري حول مضيق هرمز وطبيعة الصراع البحري وامدادات الطاقة، بحيث لم يعد التحكم بالممرات الاستراتيجية قائمًا على التفوق العسكري التقليدي فقط، بل على القدرة على توظيف الجغرافيا ضمن نموذج حرب منخفضة الكلفة وعالية التأثير، وهو ما نجحت إيران في ترسيخه عبر تحويل المضيق من ممر للطاقة إلى أداة ضغط اقتصادي وسياسي على النظام الدولي.


ورغم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مدد المهلة حتى 6 أبريل 2026، بعد مهلة أولية استمرت 48 ساعة، فإن الشرط الأساسي يبقى فتح المضيق وتنفيذ 15 بندًا. ومن أبرز هذه البنود وفقًا لتقارير إعلامية موثوقة اهمها: إنهاء البرنامج النووي، وبرنامج الصواريخ الباليستية والمسيّرات، ووقف دعم الأذرع الإقليمية كحزب الله و الحشد الشعبي و الحوثيين، إلى جانب بنود أخرى لم تُعلن تفاصيلها رسميًا بشكل كامل.

الجغرافيا كمركز للصراع

الجغرافيا هنا ليست خلفية للصراع، بل هي مركزه، فالمضيق الذي لا يتجاوز عرضه عشرات الكيلومترات يتحول إلى نقطة اختناق عالمية تمر عبرها نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز، ما يجعل أي تهديد حتى و لو كان محدودًا كافيًا لتعطيل الأسواق ورفع الأسعار وإرباك سلاسل الإمداد، هذا الواقع يمنح الطرف الذي يتحكم بإيقاع التهديد قدرة تتجاوز بكثير قدراته العسكرية الفعلية.


الجزر: منصات الحرب غير المتكافئة


ضمن هذه المعادلة، تلعب الجزر المحيطة بالمضيق دورًا حاسمًا في تشكيل بيئة السيطرة، جزيرة خرج تمثل القلب الاقتصادي لمنظومة التصدير الإيرانية، واستهدافها لا يهدف فقط إلى تقليص القدرة الإنتاجية، بل إلى ضرب مركز الثقل الاقتصادي المرتبط بإدارة الأزمة.

إلى جانب ذلك، تشكل جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى – التي تحتلها إيران منذ عام 1971 – نقاط ارتكاز متقدمة تتيح مراقبة الممرات الملاحية والتحكم بها ناريًا، تتحول هذه الجزر إلى منصات مرنة لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق السريعة، مما يجعل السيطرة على المضيق عملية موزعة لا مركزية يصعب تحييدها بضربة واحدة.

سلطنة عمان: الضفة الجنوبية والوسيط المحايد

في المقابل، تبرز أهمية الموقع الجغرافي لسلطنة عمان، التي تمثل الضفة الجنوبية للمضيق، ليس فقط كعامل جغرافي موازن، بل كفاعل سياسي قادر على لعب دور الوسيط في لحظات التصعيد، هذا الموقع يمنحها أهمية مزدوجة، فهي من جهة جزء من معادلة التحكم بالممر، ومن جهة أخرى قناة اتصال غير مباشرة بين الأطراف المتصارعة، ما يجعل أي سيناريو لفتح المضيق أو إعادة تنظيم الملاحة مرتبطًا بدورها بشكل أو بآخر.

دول الخليج: الكلفة الأكبر والبدائل الجزئية

أما دول الخليج العربي، فإنها تتحمل الكلفة الأكبر لهذه الأزمة، نظرًا لاعتماد صادراتها على هذا الممر الحيوي، وقد شهدت الأسابيع الماضية ارتفاع أسعار النفط بأكثر من 15%، وزيادة أقساط التأمين على الناقلات بنسبة تجاوزت 300%، مع تراكم أكثر من 60 ناقلة في انتظار المرور، مما يعكس حجم التداعيات المباشرة على اقتصادات المنطقة.

على الرغم من وجود بدائل جزئية عبر خطوط الأنابيب، إلا أنها لا تعوض الطاقة الاستيعابية للمضيق، فرغم أن خط الأنابيب السعودية الممتد من شرق المملكة إلى ميناء ينبع غربا على البحر الأحمر يبلغ قدرته التصديرية نحو 7 ملايين برميل يوميًا من النفط (وفقًا للبيانات الرسمية لشركة أرامكو)، مما خفف جزئيًا من تداعيات أي إغلاق محتمل، إلا أنه لا يعوض توقف إمدادات الغاز القطرية والإيرانية التي تعتمد كليًا على المرور عبر المضيق.


الاقتصاد العالمي في مرمى النيران


الأضرار لا تتوقف عند حدود المنطقة، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي، حيث يؤدي اضطراب الإمدادات إلى ارتفاع الأسعار، وزيادة تكاليف النقل، وتعطيل الصناعات المعتمدة على الطاقة، خاصة في آسيا، كما أن تراكم السفن داخل الخليج يخلق أزمة لوجستية ممتدة، بحيث يستمر تأثير الإغلاق حتى بعد إعادة فتح المضيق، ما يحوّل الأزمة من حدث لحظي إلى أزمة زمنية ممتدة.


سيناريو خرج: بين الجاذبية التكتيكية والمخاطر التصعيدية


في هذا السياق، يبرز سيناريو عسكري حساس يتمثل في إمكانية قيام الولايات المتحدة بمحاولة السيطرة على جزيرة خرج، باعتبارها العقدة الاقتصادية الأهم في منظومة الطاقة الإيرانية، هذا السيناريو يقوم على تنفيذ عمليات برمائية دقيقة مدعومة بتفوق جوي وبحري، بهدف تعطيل صادرات النفط الإيرانية وحرمان طهران من أحد أهم أدواتها في إدارة الأزمة، مع استخدام الجزيرة كنقطة ضغط لإجبار إيران على التراجع عن إغلاق المضيق.

غير أن هذا الخيار، رغم جاذبيته التكتيكية، يحمل مخاطر تصعيدية عالية، إذ قد يدفع إيران إلى توسيع نطاق المواجهة عبر استهداف أوسع للملاحة أو البنية التحتية النفطية في دول مجلس التعاون الخليجي والعراق، كما أن الاحتفاظ بالجزيرة يتطلب التزامًا عسكريًا طويل الأمد في بيئة معادية ومعقدة جغرافيًا.


إيران: إدارة التهديد وليس الإغلاق الكامل


في هذا الإطار، تبرز فرضية أساسية مفادها أن إيران لا تسعى إلى إغلاق كامل ودائم للمضيق، بل إلى إدارة مستوى التهديد بما يحقق أقصى قدر من المكاسب بأقل كلفة ممكنة، وهو ما يفسر اعتمادها على أدوات الحرب غير المتكافئة مثل الألغام البحرية والطائرات المسيّرة والزوارق السريعة، التي ترفع منسوب المخاطر دون الحاجة إلى مواجهة شاملة.

سيناريوهات فتح المضيق: ثلاثة مسارات

انطلاقًا من هذه الفرضية، تتشكل سيناريوهات فتح المضيق ضمن ثلاث مسارات رئيسية:

المسار الأول: الفتح القسري المحدود

يقوم على عمليات عسكرية دقيقة تستهدف تأمين ممرات ملاحية محددة، من خلال إزالة الألغام، وتكثيف المراقبة الجوية، واستهداف منصات الإطلاق القريبة، دون التوسع في مواجهة شاملة، هذا المسار يحقق استعادة جزئية للملاحة، لكنه لا يلغي التهديد بشكل كامل.

المسار الثاني: التحالف البحري–الاقتصادي الدولي

يتمثل في إعادة تنظيم الملاحة ضمن إطار دولي، حيث يتم تشكيل تحالف بحري–اقتصادي يهدف إلى تقاسم المخاطر، ليس فقط عبر الحماية العسكرية، بل أيضًا عبر خفض تكاليف التأمين وتحفيز الشركات على العودة، هذا المسار أكثر استدامة، لكنه يتطلب توافقًا سياسيًا دوليًا معقدًا، خاصة في ظل تباين مصالح القوى الكبرى.

المسار الثالث: التسوية غير المباشرة

يقوم على تخفيف التوتر عبر وساطات إقليمية، تلعب فيها سلطنة عمان دورًا محوريًا، بالإضافة إلى تركيا ومصر، وبدعم من الصين والهند المتضررتان الرئيسيتان من غلق المضيق بشكل أكبر من الاتحاد الأوروبي أو اليابان وكوريا الجنوبية، وهنا يبرز دور الصين والهند كأكثر الدول تضررًا من الإغلاق، حيث تستوردان نحو 60% من نفط الخليج عبر المضيق، وهذا يمنحهما نفوذًا اقتصاديًا ودبلوماسيًا حقيقيًا على طهران، يمكن توظيفه بالتوازي مع الوساطات الإقليمية للوصول إلى تسوية تحفظ مصالح جميع الأطراف، مقابل تفاهمات ضمنية تسمح بمرور السفن بشروط معينة، هذا المسار هو الأقل كلفة، لكنه يظل هشًا وقابلًا للانهيار مع أي تصعيد جديد، وفي جميع هذه السيناريوهات، يتضح أن التحدي لا يكمن في "فتح المضيق" بحد ذاته، بل في كيفية إدارة المخاطر المرتبطة به، لأن البيئة الجغرافية تمنح إيران قدرة مستمرة على التعطيل، حتى في ظل التفوق العسكري لخصومها، وبالتالي فإن أي استراتيجية فعالة يجب أن تنتقل من منطق إزالة التهديد إلى منطق تقليل أثره، وفرض معادلة تجعل استمرار الإغلاق أكثر كلفة من فتحه، وفي المستقبل، تواجه دول الخليج ضرورة استراتيجية مزدوجة: تنويع طرق التصدير عبر تعزيز خطوط الأنابيب والموانئ خارج المضيق، إلى جانب بناء قدرات أمنية بحرية مشتركة تقلل الاعتماد على الحماية الخارجية وتعزز الردع الجماعي.


أ.د.عبدالوهاب العوج


"أكاديمي ومحلل سياسي يمني

جامعة تعز