آخر تحديث :السبت - 28 مارس 2026 - 10:11 م

كتابات


الذكرى الحادية عشرة لعاصفة الحزم: التحالف وقصة الهرة التي أكلت أولادها

السبت - 28 مارس 2026 - 08:53 م بتوقيت عدن

الذكرى الحادية عشرة لعاصفة الحزم: التحالف وقصة الهرة التي أكلت أولادها

كتب/د. أمين العلياني

في كلِّ ذكرى تعود رياحُ الأمسِ لتقرعَ جدرانَ الواقعِ المَثقومِ، وتكشفَ عن مآلاتِ القراراتِ التي وُلِدَتْ كبارقِ أملٍ، ثم انتهتْ في متاهاتِ السياسةِ والتوازناتِ الخادعة.


تمرُّ اليومَ الذكرى الحادية عشرة لـعاصفة الحزم، ذلك الفعلِ العسكريِّ الذي قادَه التحالفُ العربيُّ بقيادةِ المملكةِ العربيةِ السعوديةِ تحتَ عناوينَ كبرى: استعادةُ الشرعيةِ، ودَحْرُ الميليشياتِ، وحمايةُ المنطقةِ من تمدُّدِ النفوذِ الإيرانيِّ، غيرَ أنَّ المتأمِّلَ في مسارِ تلك العاصفةِ، وبعدَ كلِّ هذه السنينَ، لا يجدُ أمامَه غيرَ غبارِ الأسئلةِ العالقةِ، وصدى الوعودِ التي تهاوتْ كأوراقِ الخريفِ تحتَ وطأةِ المصالحِ المتقلِّبةِ، والتفاهماتِ التي كُتِبَتْ بلغةٍ لا تشبهُ لغةَ الدماءِ التي أُرِيقَتْ.


فعلى الأرضِ، ظلَّتِ الأدواتُ الفاعلةُ التي راهنَ عليها التحالفُ في انطلاقتِه هي ذاتُها التي جرى تهميشُها وإقصاؤها من معادلاتِ المرحلةِ والتسوياتِ القادمة. وهنا تتداعى إلى الذهنِ قصةٌ ضاربةٌ في عمقِ الوعيِ الشعبيِّ؛ قصةُ "الهرةِ التي أكلتْ أولادَها"، ذلك المثلُ الذي صارَ بلاغةً في وصفِ تناقضاتِ السياساتِ حين تتحوَّلُ فيها الذراعُ التي مَدَّتْها الأمُّ لحمايةِ الصغارِ إلى فمٍ يفترسُهم متى ما استشعرتْ عجزَها عن أداءِ دورِ الحامي.


لقد جاءت عاصفة الحزم في مارس 2015 بحجمِ طموحٍ عربيٍّ استثنائيٍّ، لتكونَ بمثابةِ الردِّ الحاسمِ على انقلابِ الحوثيِّ على الشرعيةِ واحتلال الجنوب الذي قال عنه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أنه خط أحمر.


لكنَّ ريحَ العاصفةِ، مع مرورِ الأيامِ، بدأتْ تَلْفَحُ بوجهٍ مغايرٍ؛ إذ تحوَّلَتِ الأدواتُ الفاعلةُ على الأرضِ من شركاءِ نضالٍ إلى أوراقٍ في لعبةِ توازناتٍ إقليميةٍ معقَّدةٍ، ولم يكُنْ المجلسُ الانتقاليُّ الجنوبيُّ وقيادته وقواتُه ببعيدٍ عن هذه المعادلةِ الصعبةِ؛ إذ سرعانَ ما انكشفَ أنَّ الدماءَ التي سُفِكَتْ في ميادينِ العزِّ ليستْ ثمنًا لاستحقاقاتٍ وطنيةٍ واضحةٍ، بقدرِ ما هي بطاقةُ تفاوضٍ في صفقةٍ كبرى ترسمُ ملامحَها الآنَ قوى إقليميةٌ ودوليةٌ على حسابِ من حملوا السلاحَ باسمِ التحالفِ ذاتَ يومٍ.


إنَّ قراءةَ المشهدِ اليومَ تضعُنا أمامَ حقيقةٍ قاسيةٍ: أنَّ السياسةَ السعوديةَ في التعاملِ مع حلفائِها الجنوبيينَ باتتْ تُكرِّرُ، بوعيٍ أو بغيرِ وعيٍ، منطقَ ذلك المثلِ الشعبيِّ؛ فالهرةُ، حين عجَزَتْ عن حمايةِ أولادِها من أخطارِ الخارجِ، لجأتْ إلى التخلُّصِ منهم بأسلوبِ الافتراسِ، مدَّعيةً أنَّ لها الحقَّ في أكلِهم؛ لأنَّها هي التي أنجبتْهم، وكذلك الحالُ مع الشريكِ الجنوبيِّ الذي جرى استدراجُه إلى الحربِ تحتَ عناوينِ الشرعيةِ والتحريرِ، ثمَّ ما لبثَ أنْ صارَ عائقًا في طريقِ تفاهماتٍ جديدةٍ مع الميليشياتِ التي كان من المفترضِ اجتثاثُها لتحقيق أهداف العاصفة التي انطلقت من أجلها.


في هذا السياقِ، تتجلَّى ملامحُ التحوُّلِ السعوديِّ من خيارِ الحسمِ إلى خيارِ التوازناتِ مع الحوثيِّ، في مشهدٍ يوحي بأنَّ الأولوياتِ تغيَّرَتْ، وأنَّ الحربَ التي شُنَّتْ باسمِ استعادةِ الدولةِ قد تحوَّلَتْ إلى مادةٍ للتفاوضِ حولَ نفوذِ إيرانَ في المنطقةِ، في ظلِّ صراعٍ أوسعَ بينَ واشنطنَ وتلِّ أبيبَ من جهةٍ، وبينَ طهرانَ وحلفائِها من جهةٍ أخرى. وهنا يتحوَّلُ الجنوبيونَ من حلفاءَ في المعركةِ إلى ضريبةٍ تُدفَعُ في معادلةِ الاستقرارِ الإقليميِّ، بل إلى أولادِ هِرَّةٍ يُفترسونَ بمبرِّرِ أنَّ أمَّهم ـ القيادةُ التي استقدمَتْهم للحربِ ـ هي أولى بهم من غيرِها، حتى لو كان ذلكَ عبرَ التخلُّصِ منهم سياسيًّا وأمنيًّا.


وبينما يمُرُّ اليومَ الحادي عشرُ على عاصفة الحزم، يجدُ المراقبُ المدرِكُ لمآلاتِ الحقائقِ أنَّ ما يجري ليسَ مجرَّدَ تقلُّباتٍ في مواقفَ سياسيةٍ، بل هو تجسيدٌ حيٌّ لبلاغةِ ذلك المثلِ الذي ضُرِبَ في الوعيِ الجمعيِّ؛ فحين تعجَزُ الهرةُ عن حمايةِ أولادِها، تبدأُ في أكلِهم بدعوى الحقِّ الأصيلِ في الوجودِ، وهكذا تبدو المملكةُ اليومَ، في تعاملِها مع قوى الجنوبِ التي حملتْ على أكتافِها أعباءَ معركةٍ لم تكُنْ معركتَها وحدَها، وقد تحوَّلَتْ من حليفٍ إلى خصمٍ، ومن حاضنٍ إلى مُستَبِدٍّ، في سباقٍ محمومٍ لإنقاذِ استراتيجيةٍ أرهَقَتْها التناقضاتُ.


وفي الختامِ، تظلُّ الذكرى الحادية عشرة لعاصفة الحزم شاهدةً على أنَّ السياساتِ التي تُبنَى على الرمالِ المتغيِّرةِ لا تصمدُ أمامَ اختبارِ الزمنِ، وأنَّ من يظنُّ أنَّه يستطيعُ أن يلعبَ بورقةِ الدماءِ ثم يتخلَّصَ منها بسهولةٍ، كمن يظنُّ أنَّ هِرَّتَه ستظلُّ صامتةً بينما تأكلُ أشلاءَ أولادِها؛ فالتاريخُ لا يُكتَبُ بما يُقالُ في البياناتِ، بل بما يُفعَلُ على الأرضِ، وما يُزرَعُ اليومَ من غدرٍ ستحصُدُه الأيامُ قريبًا، حين تثورُ في وجهِ السياساتِ الآكلةِ لأبنائِها كلُّ هِرَّةٍ كانت يومًا أمًّا حنونًا قبلَ أن تتحوَّلَ إلى نعشٍ يمشي.