آخر تحديث :الخميس - 02 أبريل 2026 - 12:40 م

اخبار وتقارير


قراءة قانونية في قرارات فصل جنود بارشيد - منطق الغالب أم منطق الدولة - جرائم الاعتداء على الدستور والقانون

الخميس - 02 أبريل 2026 - 10:56 ص بتوقيت عدن

قراءة قانونية في قرارات فصل جنود بارشيد - منطق الغالب أم منطق الدولة - جرائم الاعتداء على الدستور والقانون

كتب الأستاذ-أسامة عمر علي

الثابت من الوقائع—بحسب ما تكشف عنه المعطيات المتداولة والتي يقتضي بطبيعتها التحقق والتحقيق—أنه قد جرى استبعاد مئات من جنود لواء بارشيد، وهم في غالبيتهم من أبناء المحافظات الجنوبية (أبين، لحج، الضالع، عدن)، دون أن يُستبان من ظاهر الإجراءات معيار قانوني عام أو سبب فردي محدد لكل حالة على حدة، وفي المقابل تم صرف رواتب وإكراميات لعدد من الجنود الحضارم المنتمين إلى ذات اللواء واستقرت أوضاعهم، دون غيرهم ممن هم في ذات المركز القانوني، وفي ذات الإطار الزمني استمرت قوات الطوارئ في سيئون ومناطق الوادي—والمنتمية في غالبها إلى مناطق شمالية—ضمن أوضاع مستقرة، كما تم استيعاب ألوية وتشكيلات قائمة من المنتمين للمحافظات الشمالية أيضًا ضمن القوام المالي للمنطقة العسكرية الأولى، بل إن هناك محاولات لتجنيد عسكري وفق انتماءات أيدلوجية حزبية كما حصل في اعلان قوات الطوارئ الأخير للتحشيد والتجنيد، الأمر الذي يكشف عن تباين في المعالجة بين حالات متقاربة في مركزها القانوني، وهو تباين لا يُفهم في ميزان القانون إلا من زاوية اختلاف المعيار لا اختلاف الوقائع.


ولما كان من المقرر أن تعطيل تطبيق الدستور والقوانين أو عرقلة تنفيذها يُعد في ذاته فعلاً مجرّماً متى ترتب عليه الإضرار بسير المرافق العامة وإضرارًا بمصلحة المواطنيين (الجنود)، وكان ما جرى—بحسب ما يظهر—قد أدى إلى تعطيل مبدأ المساواة في شغل الوظيفة العامة داخل مؤسسة سيادية عسكرية، وإلى إقصاء فئة دون أخرى من الاستمرار في أداء مهامها، فإن هذا السلوك يندرج في نطاق تعطيل أحكام الدستور والقوانين والإضرار بسير العمل وتقويض المركز

القانوني للجنود (المواطنيين) دون سبب مشروع ووفق الأطر، وهي صورة من صور الجريمة التي تقوم متى استُخدمت السلطة العامة في غير الغاية التي خولها لها القانون، ويترتب عليها—بحسب الأحوال—المساءلة الجنائية والعقاب وكذا ابطال ماصدر عنها من قرارات بل وحتى التعويض.


وإذا كان من المقرر أن السبب إذا جُهر به خضع لرقابة المشروعية، وكانت المعطيات تفيد—على نحو مجاهر به—أن سبب الاستبعاد يعود إلى الانتماء لمناطق غير حضرمية، فإن هذا الإفصاح—إن ثبت—يكشف عن أن القرار قد بُني على أساس جغرافي محض، وهو أساس يتعارض بطبيعته مع نصوص دستورية آمرة، إذ نصت المادة (40) من الدستور على أن: "يجب صيانة القوات المسلحة والأمن عن كل صور التفرقة المناطقية والقبلية وذلك ضماناً لحيادها"، كما نصت المادة (41) على أن: "المواطنون جميعهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة"، وهو ما مؤداه أن أي تمييز في شغل أو استمرار الوظيفة العامة على أساس الانتماء الجغرافي يهدر مبدأ المساواة ويمس الحياد المفترض في المؤسسة العسكرية.


ولا يغير من هذا التكييف ما قد يُثار من ربط الواقعة بالأحداث الأخيرة ذات الصلة بالمجلس الانتقالي، إذ لا ينهض هذا القول سبباً قانونياً للاستبعاد، متى كان الثابت—بحسب ما يظهر—عدم قيام دليل على مشاركة جماعية للوحدات محل الفصل، وكذا عدم ثبوت كل الحالات الفردية المفصولة مؤيدة بأسانيد و بإجراءات تحقيق محايدة، ذلك أن المسؤولية في الوظيفة العامة شخصية، ولا يجوز ترتيب آثارها إلا بناءً على وقائع ثابتة لكل فرد على حدة وباجراءات شفافة ومحايدة ووفق مبادىء العدالة، وهو ما لم يُستبان من ظاهر الإجراءات، كما أن هذا الفصل يفقد اتساقه متى ثبت أنه قد سبق التعامل مع الجنود الحضارم المنتمين إلى ذات اللواء بشكل طبيعي، وصُرفت حقوقهم دون أن يُحتج بذات السبب، وهو ما يُسقط عن هذا الدفع صفته كسبب عام، ويكشف عن أنه استُخدم على نحو انتقائي مناطقي (منطق الغالب لا منطق الدولة) ولا يصلح لإسناد القرار قانوناً.


ولما كان هذا الاستخلاص قائماً على تساند الوقائع وتكاملها، فإنه يغني عن التوسع في تكرارها، إذ يكفي—في ميزان القانون—ثبوت أن المعيار لم يكن واحداً حتى ينهار ما بُني عليه القرار من أساس؛ ومن ثم، فإن ما قد يُثار من أن اللواء لا يمثل حضرموت إلا بالاسم، لا يصلح سبباً قانونياً ينهض لتبرير الاستبعاد الجماعي، لا سيما وأن الثابت أن اللواء قد شارك في مهام عسكرية فعلية، وعلى رأسها مكافحة الإرهاب، وقدم خلال ذلك تضحيات بشرية جما، ويضم في قوامه مئات من أبناء من حضرموت، وهو ما ينفي عنه صفة الكيان المناطقي ووضعه أفضل من أوضاع قوات الطوارئ وألوية كاملة في الفرقة الأولى، فضلاً عن أن هذا الدفع يتناقض مع واقع الإبقاء على بعض أفراده من أبناء حضرموت دون غيرهم، إذ لو كان معيار “الهوية” صحيحاً لوجب تطبيقه على الجميع دون استثناء، أما وقد طُبق على نحو جزئي، فقد دل ذلك على أنه لم يكن معياراً قانونياً وإنما وسيلة انتقائية لتبرير هدف سياسي.


ولما كان قانون الجرائم والعقوبات رقم (12) لسنة 1994 قد نص في المادة (165) على أن: "يعاقب بالحبس كل موظف عام استعمل سلطة وظيفته للإضرار بالغير أو للحصول على فائدة غير مشروعة"، فإن ما سلف بيانه—متى ثبت—يشكل جريمة إساءة استعمال الوظيفة، وعقوبتها الحبس، بل وبظرف مشدد لما ينطوي عليه من استعمال للسلطة على غير محلها ترتب عليه ضرر مباشر لعدد من الأفراد وذويهم،.


كما أن ما نصت عليه المادة (131) من ذات القانون بشأن حماية الدستور، والتي تقرر تجريم الأفعال التي تستهدف تعطيل أحكامه أو المساس بها، مؤداه أن إفراغ النصوص الدستورية من مضمونها عن طريق التطبيق المخالف يُعد في ذاته جريمة الاعتداء على الدستور، وعقوبتها تصل—بحسب جسامة الفعل—إلى الحبس.


ففي حين يكون هناك تمييز داخل المؤسسة العسكرية وعدم الحفاظ على حياديتها من أي تخندق مناطقي (مادة40 من الدستور), وكذا وعدم وجود مساواة بين الجنود (مادة 41 من الدستور)، وأيضاً إذا كان من مقتضى اليمين الدستورية (مادة160 من الدستور) التي يؤديها شاغلو الوظائف العامة أن يلتزموا بـ: "أن أحترم الدستور والقانون...، وأن أرعى مصالح الشعب وحرياته رعاية كاملة"، فإن أي إجراء ينتهي إلى فرز مناطقي داخل مؤسسة سيادية، ويُخل بمبدأ المساواة، ويُطبق القاعدة القانونية على نحو انتقائي، يُعد—في نتيجته—إخلالاً بهذا الالتزام واعتداء على الدستور (جريمة مشددة)، إذ أن احترام الدستور لا يتحقق بإقراره نظرياً، وإنما بإنفاذه على وجه المساواة، كما أن رعاية مصالح الشعب لا تقوم بتغليب فئة على أخرى، بل بضمان خضوع الجميع لذات القاعدة القانونية دون استثناء.


ولا يفوت في هذا المقام التأكيد—درءاً لكل لبس—أن استقرار أوضاع الجنود الحضارم داخل اللواء وصرف حقوقهم أمر محل ترحيب وتقدير، ونتمنى لهم كل الخير والاستمرار، غير أن هذا الاستقرار، حين يقترن بحرمان غيرهم في ذات المركز القانوني من ذات الحقوق، لا يُفهم في ميزان القانون إلا بوصفه كاشفاً عن انتقائية في التطبيق، إذ أن القاعدة إن صحت في حق البعض وجب أن تسري على الجميع، وإلا فقدت صفتها كقاعدة قانونية عامة مجردة.


ومتى كان ذلك، وكان السبب قد جُهر به على نحو مناطقي، والتطبيق قد جاء مزدوجاً بين سيئون والمنطقة الاولى وبارشيد، فإن الواقعة—في تكييفها القانوني—تنهض بوصفها جريمة مركبة قوامها إساءة استعمال الوظيفة، وتعطيل أحكام الدستور والقانون، والإضرار بسير العمل العام ومصادرة حقوق المواطنين، وهي جرائم لا تقف عند حدود المخالفة الإدارية، بل تستوجب المساءلة والعقاب وفقاً للنصوص المشار إليها، وإبكال كافة القرارات الصادرة بحق الجنود والمطالبة بتعويض عادل.


ويعزز هذا التكييف ما نص عليه قانون الجرائم والعقوبات العسكرية رقم (21) لسنة 1998م، إذ قررت المادة (54/أ) أن: "يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على خمس سنوات كل من استعمل سلطة وظيفته في تعطيل القوانين أو اللوائح أو الأنظمة السارية أو رفض تنفيذ الأوامر والأحكام الصادرة من المحكمة أو جهة مختصة أو امتنع عمداً عن تنفيذ شيء مما يدخل تنفيذه في اختصاصه"، ومؤدى هذا النص أن مجرد استعمال السلطة على نحو يؤدي إلى تعطيل القواعد القانونية أو الانحراف بها عن غايتها يُعد جريمة قائمة بذاتها، لا يُشترط لقيامها صدور قرار صريح بإلغاء القانون، بل يكفي إفراغه من مضمونه عن طريق التطبيق المخالف. فإذا كان الثابت—بحسب ما يظهر—أن الإجراءات محل البحث قد عطّلت مبدأ المساواة وأهدرت الحياد المفترض في المؤسسة العسكرية، فإن ذلك يندرج في نطاق تعطيل القوانين والأنظمة، ويُكوّن الركن المادي لهذه الجريمة، متى اقترن بإرادة استعمال السلطة على هذا النحو.

كما نصت المادة (30) من ذات القانون على أن: "يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على خمس سنوات أو بجزاء يتناسب مع نتائج الجريمة كل شخص تسلم راتباً أو أي حقوق أخرى عينية أو مادية لأي ضابط أو ضابط صف أو جندي واحتفظ به بغير وجه قانوني أو رفض بصورة غير مشروعة تسليمها..."، وهو نص صريح في حماية الحقوق المالية للعسكريين من أي حجب أو تعطيل غير مشروع، ومؤداه أن الامتناع عن صرف الرواتب أو الحقوق أو التمييز في تسليمها دون مسوغ قانوني يُعد فعلاً مجرّماً بذاته، يوجب العقاب مع الحكم بتسليم الحقوق إلى مستحقيها. فإذا اقترن ذلك—بحسب ما يظهر—بصرف الرواتب والإكراميات لفئة دون أخرى في ذات المركز القانوني، فإن هذا التفاوت لا يُعد مجرد خلل إداري، بل يُمكن أن يرقى إلى صورة من صور الامتناع غير المشروع عن تسليم الحقوق، متى ثبت خلوه من سند قانوني عام ومجرد.


ولا يغلق القانون بابه أمام المتضررين، بل يفتح لهم مسارات متوازية، يتعين سلوكها على نحو منظم يحقق الغاية القانونية ويحفظ الحقوق، إذ يكون لهم—فرادى أو مجتمعين—البدء بالتظلم الإداري أمام الجهة التي أصدرت القرار أو الجهات الرئاسية المختصة، بطلب وقف آثاره وإلغائه وتصحيح الوضع الوظيفي، مع بيان أوجه المخالفة للدستور والقوانين، وذلك بوصفه إجراءً أولياً يقطع بجدية المطالبة ويمهد لما بعده من إجراءات.

فإن لم يُستجب لهذا التظلم، أو مضت المدد دون رد، كان لهم اللجوء إلى القضاء الإداري المختص بالطعن في القرار لعيب عدم المشروعية، وعلى الأخص لعيب مخالفة الدستور والقانون والانحراف بالسلطة وإساءة استعمالها، مع طلب وقف تنفيذ القرار بصفة مستعجلة متى ترتب عليه ضرر يتعذر تداركه، ثم طلب الحكم بالإلغاء وما يترتب عليه من آثار، وفي مقدمتها إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه، وصرف المستحقات، والحكم بتعويض عادل عن الأضرار المادية والمعنوية.

وإذا كان محل النزاع متصلاً بقرارات أو أوامر صادرة داخل البنية العسكرية أو مترتبة على تطبيق القانون العسكري، فإن الباب يظل مفتوحاً كذلك أمام الاختصاص القضائي العسكري، سواء عبر الشكاوى الرسمية داخل التسلسل القيادي، أو عبر تحريك الدعوى أمام الجهات القضائية العسكرية المختصة، استناداً إلى ما تقرره النصوص من تجريم إساءة استعمال السلطة العسكرية، وتعطيل القوانين، وفرض إجراءات أو عقوبات بغير مسوغ قانوني.

كما لا يحول الطابع الوظيفي أو العسكري للقرار دون مساءلة من أصدره جزائياً، إذ يظل للمتضررين الحق في التوجه إلى النيابة العامة—أو النيابة العسكرية بحسب الأحوال—لتقديم بلاغ جنائي مدعم بالأدلة، عن الجرائم المشار إليها، وعلى رأسها إساءة استعمال الوظيفة وتعطيل القوانين والامتناع غير المشروع عن تسليم الحقوق، ذلك أن الحماية الجنائية للنصوص لا تُعطلها الصفة الوظيفية، ولا تحول دونها الأوامر الرئاسية متى كانت المخالفة واضحة.

وبذلك، فإن المسار القانوني لا يقف عند حد الطعن في القرار، بل يمتد ليشمل المطالبة بإبطاله، واسترداد الحقوق، والتعويض، ومساءلة المسؤولين، كلٌ بحسب موقعه ودوره، وفقاً لاختصاص كل جهة، وعلى نحو يحقق الغاية التي قام عليها القانون، وهي حماية الحقوق وصون مبدأ المشروعية.


إن الخلاصات التي انتهت إليها هذه القراءة القانونية لا تقف عند حدود الدفاع عن حقوق فئة عُزلت بقرار جائر، بل تمتد لتضع المؤسسة العسكرية والسيادية أمام اختبار حقيقي لمفهوم "الدولة"؛ إذ إن الاستمرار في تكريس التمييز على أساس جغرافي داخل مؤسسة يحيط بها واجب الحياد الوطني، هو تقويض صريح لأعمدة الدستور، واستبدال لمنطق المؤسسة بـ "منطق الغالب" الذي يشرعن الإقصاء ويؤسس للصراعات البديلة. حيث لايجوز أن تطبق من تدعي أنها تمثل الدولة منطق أي طرف آخر وإلا مالذي يفرقها عنه.


​إن معيار "الهوية الجغرافية" الذي اتُّخذ ذريعة لتعطيل الحقوق الوظيفية والمالية لجنود لواء بارشيد، لا يمثل فقط خرقاً للمادة (40) والمادة (41) من الدستور، بل هو فعل يقع تحت طائلة التجريم الجنائي والعسكري كجريمة إساءة استعمال سلطة وعرقلة للقوانين. وبناءً عليه، فإن تصحيح هذا الوضع ليس مجرد مصلحة فردية للمتضررين، بل هو استحقاق وطني قانوني لضمان عدم تحول الوظيفة العامة إلى أداة تصفية حسابات أو فرز مناطقي.

​ختاماً، إن الحقوق لا تسقط بالتقادم ولا بالقرارات الانتقائية، ويظل المسار القضائي—بشقيه الإداري والجنائي—هو الملاذ الأخير لاستعادة كرامة النص الدستوري وحماية حقوق هؤلاء الجنود، ضماناً لأن تكون الدولة للجميع، والقانون فوق الجميع، بعيداً عن سياسة الكيل بمكيالين التي تنهك جسد الوطن وتهدم ثقة المواطن في عدالة مؤسساته.


ويبقى الأصل الذي لا يجوز الحيد عنه، أن الدولة لا تقوم إلا على قاعدة واحدة: أن يكون القانون هو الحاكم، وأن يكون تطبيقه واحداً على الجميع، فإن اختل هذا الميزان، لم يعد الأمر نزاعاً إدارياً، بل أصبح مسألة تمس فكرة الدولة ذاتها.