كان يمكن للمجلس الانتقالي الجنوبي أن يمضي عمرًا افتراضياًمعينًا مثل جميع المكونات والاحزاب والقوى السياسيه في القطر والإقليم والعالم، وإذا ما تقادم به الزمن وأبدى عجزه عن مواكبة تحديات ومتطلبات الزمن الجديد فلا بد أن يتراجع وقد يضعف ويتضاءل وقد يضمحل ويتلاشى، تلك قانونيات الحياة والموت لكل كائن حي، وكما نعلم أن الأحزاب والمكونات السياسيه والحكومات والدول وجميع التنظيمات المجتمعية هي كائنات حية ينطبق عليها قانون الحياة والموت، وهذا موضوع يطول الحديث فيه.
لكن ما نحن بصدده هو كيان سياسي نشأ منذ نحو تسع سنوات وبدأ حيويًا فتيًّا طاغي الحضور والتأثير، وتعلق به الملايين من الجنوبيين بفعل تناغم شعاراته السياسية وخطابه ومضامين أدبياته مع تطلعات تلك الملايين.
ومن الطبيعي الإقرار بأن مسيرة المجلس لم تكن حالة ملائكية خالية من العيوب والهفوات، بل لقد تعرض خلال هذه السنوات القصيرة لبعض التقصيرات والهفوات والنواقص التي تحصل مع أنظمة ومكونات عمر بعضها عشرات ومئات السنين، بيد إن أخطاء وهفوات المجلس الانتقالي الجنوبي لم تصل إلى مستوى يؤدي به إلى الزوال والتلاشي والموت ليضبح مجرد (كيانٍ ينتمي إلى الماضي)، ما يعني أن محاولات إنهاء حياته جاءت مفتعلةً تتعسف جميع سنن وقانونيات قيام وعيش وبثاء وموت الكائنات الحية، وتتجاوز المعايير التنظيمية واللائحية والسيسيولوجية والسياسية، ويعني أيضًا أن هناك من لم يرق له وجود هذا الكائن السياسي فأراد أن ينهيه من الوجود، ومن هنا جاءت مسرحية "حل المجلس الانتقالي" بطريقة مثيرة للشفقة والسخرية، وقد فشلت حينما هب مئات الآلاف (كي لا أقول الملايين) من أبناء الجنوب في ما يشبه الانتفاضة الشعبية الرافضة لما أقدم عليه بضعة أفراد ممن كانوا محسوبين على المجلس، وفي ظل ظروف حتى الآن لم يُكشَف عن تفاصيلها وملابساتها.
بيد إن هذا لا يمنعنا، بل لا يعفينا من تقييم ومراجعه ونقد مسيرة المجلس الماضية ومحاولة الاستفادة من أخطائه ومن نجاحاته، بطبيعة الحال، واستخلاص الدروس والعبر من تجربة السنوات التسع من عمر المجلس للتعاطي معها في المستقبل وتحدياته ومتطلبات نضال الشعب الجنوبي في سبيل أهداف ثورته المتمثلة في التحرر من الوصاية والتبعية واستعادة دولته بحدودها المعروفة يوم 21 مايو 1990م.
إن مقولة "إن المجلس الانتقالي الجنوبي أصبح من الماضي" لا تعبر فقط عن حالة اليأس أو الإحباط الذي تسلل لدى بعض المحسوبين قيادات في بعض هيئات المجلس، ولا عن حالة التشوش وغياب الرؤية السياسية والتقييم الدقيق لتوازن القوى على مستوى الساحة الجنوبية والإقليمية، بل تعبر عن رغبة صريحة لدى بعض المراهنين على إمكانية وأد القضية الجنوبية ودفنها من خلال سحق المجلس الانتقالي وقيادته، باعتباره (أي المجلس) يمثل أبرز القوى السياسية المعبرة عن القضية والمُعلِنة بوضوح عن مغازي ومضامبن القضية الجنوبية وهدفها النهائي.
وأطرف ما في أحاديث مروجي هذه المقولة إنهم يربطون المجلس الانتقالي بوجود دولة الإمارات العربية المتحدة فيقول بعضهم "إن المجلس الانتقالي ودولة الإمارات أصبحا من الماضي" وهي مقولة خرقاء لا تعبر إلا عن خواء فكري ومعرفي لدى بعض القائلين بها وهو ما توقفنا عنده وقد نتوقف عنده في مناسبات قادمة، لكن الرد على هذا الخواء يمكن تلخيصه في نقطتين،
أولا: دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة دولة قائمة وحاضرة بقوة في الحياة الإقليمية والدولية بغض النظر عمن يرضى عنها أو يغضب عن بعض سياساتها التي تخصها وحدها.
وثانيا: إن المجلس الانتقالي هو وريث الحركة التحررية الجنوبية التي انطلقت في العام ١٩٩٤م وتنامت وتضاعف حضورها بعد انطلاق ثورة الحراك السلمي الجنوبي في ٢٠٠٧م، قبل عاصفة الحزم ودخول دولة الإمارات الشقيقة فيها بثماني سنوات وخصوصًا بعد الانتصار الساحق الذي حققه الشعب الجنوبي ومقاومته الباسلة على التحالف الانقلابي في ٢٠١٥م وكسر شوكة المشروع الإيراني؛ وهو الانتصار الوحيد المحسوب لعاصفة الحزم بالشراكة مع قيادة "دول التحااف العربي" حينما كان في أوج زهوه وتماسكه.
وفي نظري أن المجلس الانتقالي كان من الماضي وصار من الحاضر وسيبقى في المستقبل، وهذا بطبيعة الحال لن يتحقق بالتمنيات وترديد الشعارات، بل من خلال قدرة قيادة المجلس على استلهام الدروس من تجربة العقد المنصرم، وتوسيع دائرة المشاركة السياسية الجنوبية، وبناء تحالفات وشراكات وطنية قائمة على قواعد متينة وسليمة وغير قابلة للاهتزاز أو التلاعب
وهو ما يمكن التوقف عنده في مناسبة لاحقة.