آخر تحديث :الجمعة - 17 أبريل 2026 - 08:49 م

كتابات


شريط من الذكريات

الجمعة - 17 أبريل 2026 - 07:30 م بتوقيت عدن

شريط من الذكريات

كتب / حسين أحمد الكلدي

في منتصف عام 1994م، خطوتُ خطوةً مهمة نحو أولى محطاتي المهنية، حيث مثّلت تلك الرحلة ثاني تجربة دولية لي خارج نطاق الوطن العربي. وقد سبقتها مرحلة إعداد وتخطيط مسبق، جاءت عقب عودتي من تركيا. كان أحمد بن طهيف شريكًا أساسيًا في هذه المرحلة، إذ جمعتنا مسيرة عمل طويلة، نتيجة تشابه الظروف الصعبة التي واجهتنا، وقد شكّلت هذه الرحلة حجر الأساس في مسيرتي العملية؛ إذ فتحت أمامي آفاقًا واسعة للتعرّف على بيئة تجارية مختلفة وأكثر اتساعًا. غير أن التحديات كانت كبيرة وحاضرة بقوة، نتيجة محدودية خبرتي في آليات العمل الخارجي، وافتقاري إلى المعرفة الكافية بالوسائل الداعمة لتكرار مثل هذه التجارب. كما كان تركيزي منصبًّا على تطوير إمكانات المؤسسة التي بدأتُها، سعيًا نحو تحقيق فرص استمراريتها في المستقبل. سبقت الرحلةَ مشاوراتٌ مكثفة مع زميلي أحمد بن طهيف، كما رافقني فيها عبد الله ناصر اليزيدي، الذي كانت تربطني به علاقة طيبة. وعند وصولنا إلى جاكرتا في إندونيسيا، أقمنا معًا في غرفة واحدة بالفندق، حيث عرضتُ عليه وضعي بكل شفافية، موضحًا تفاصيل تجربتي وتحدياتي.

كنت أبحث عن شركات تصدير يديرها رجال أعمال عرب في إندونيسيا، إلا أن محاولاتي للتواصل معهم والعمل المشترك لم تُثمر، نظرًا لعدم تلبية مؤسستي لمتطلباتهم. وعندما تواصلت مع صديقي أحمد بن طهيف، وجدت أن وضعه لا يختلف كثيرًا عن وضعي، إذ كان يواجه صعوبات مماثلة. وبعد عدة أيام، ناقشت الأمر مع “أبو صلاح”، الذي أبدى تعاونًا كبيرًا، حيث عرض فكرتي على إحدى الشركات التي يملكها صديقه زكي الزبيدي، ذو الأصول الحضرمية ويحمل الجنسية الإندونيسية. وقد حظيت بفرصة اللقاء به، حيث استقبلني بحفاوة، واتسمت شخصيته بالتواضع، وأسفر اللقاء عن توافق كامل في وجهات النظر بيننا بشأن العمل المشترك. تزامن ذلك مع إقامة المعرض الدولي الإندونيسي للمنتجات، في وقت كانت فيه إندونيسيا تعيش ذروة نشاطها الاقتصادي. وكانت شركة الزبيدي مشاركة في هذا المعرض، وتتمتع بدرجة عالية من الاحترافية، مع جاهزية البضائع للتصدير، وإمكانات كبيرة في التعامل مع المستوردين والموردين. مثّلت تلك المرحلة نقطة تحول حقيقية بالنسبة لي، حيث بدأت أولى زياراتي للمصانع برفقة “أبو صلاح”، وشاركنا معًا في تنفيذ بعض الأعمال التجارية التي اتسمت بروح من التعاون والثقة المتبادلة. واستمرت هذه الرحلات المكثفة خلال الفترة من 1994م إلى 1998م. غير أن الأوضاع الاقتصادية في إندونيسيا شهدت تحولًا حادًا خلال تلك الفترة، حيث تأثرت بشكل كبير نتيجة التغيرات في سعر صرف العملة وإفلاس بعض الشركات؛ إذ ارتفع سعر الدولار من نحو 2000 روبية إلى ما يقارب 13000 روبية، بل تجاوز ذلك أحيانًا خلال فترة قصيرة، الأمر الذي أدى إلى انهيار العديد من الشركات.

وكانت آخر محطة لي العمل مع شركة “ليدر إنتر نوسا العالمية”، بقيادة حسين بن عبدالرب، وعادل بن هادي. وقد مثّلت تلك المرحلة بالنسبة لي فترة ذهبية، لما اتسم به العمل من مصداقية وحسن تعامل. وفي عام 1998م، بادرتُ بتأسيس مصنع صغير في جاكرتا لتلبية طلباتي المحدودة الخاصة بي، إلا أن الظروف الاقتصادية حالت دون استمراريته. بعد ذلك، خضت تجربة جديدة بالسفر إلى الصين مرورًا بهونغ كونغ، برفقة عادل بن هادي وحميد اليزيدي. لقد كانت تلك التجربة بمثابة الانطلاقة الحقيقية في مسيرتي العملية، بفضل العلاقات الأخوية الصادقة التي ربطتني بهؤلاء الرجال، والتي تجاوزت حدود العمل إلى روابط إنسانية وأخوية متينة. وبعد سنتين من الإقامة في الصين، أسست شركة "إخوان كلد الدولية"، والتي لا تزال قائمة حتى يومنا هذا، وقد انتقلت ملكيتها قبل سنتين إلى ابني أحمد حسين الكلدي، الذي تخرج من إحدى الجامعات الصينية حاصلًا على درجة الماجستير في إدارة الأعمال والتجارة الدولية. وبهذا المفهوم، كانت رحلتي طويلة وممتدة في عالم الأعمال، قائمة على الاستمرارية والتجدد.


17 أبريل 2026م