دخل المشهد اليمني في منتصف أبريل 2026 مرحلة شديدة التعقيد، متجاوزاً أبعاده المحلية ليتحول إلى “جبهة وظيفية” فاعلة في الصراع الإقليمي-الدولي، وهو ما يعزز المخاوف من فقدان “الملكية الوطنية” لقرار السلام.
إن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 8 أبريل/ نيسان الجاري، وقف الضربات على إيران لمدة أسبوعين، مشترطاً الفتح الفوري لمضيق هرمز، قد منح المنطقة “تهدئة مؤقتة” انعكست فوراً على لغة الخطاب في صنعاء.
فبينما وصفت حركة “أنصار الله” الاتفاق بـ “الانتصار التاريخي” لطهران، أكدت في الوقت ذاته – عبر كلمة زعيمها عبد الملك الحوثي في 9 أبريل – رفضها المطلق لـ “تقسيم الجبهات” أو عزل الملف اليمني عن المسار الإقليمي.
ويرى مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام أن هذا الربط يضع “خارطة الطريق” اليمنية في مأزق بنيوي؛ حيث باتت استحقاقات الداخل اليمني رهينة لمدى صمود “هدنة الأسبوعين” وتطورات المفاوضات المتوقعة بين واشنطن وطهران وفق ما أوردته صحيفة “وول ستريت جورنال“.
عقيدة “وحدة الساحات”
تشير القراءة التحليلية لمركز أوسان إلى أن انخراط حركة “أنصار الله” في التصعيد العسكري منذ 28 مارس الماضي عبر استهداف إسرائيل، وصولاً إلى تهديدات خارجيتها في 12 أبريل بالمشاركة الفعالة في حال استئناف الهجمات ضد إيران، يمثل “ترسيماً جديداً” لموقع اليمن في معادلات الردع.
وبحسب تقرير وكالة رويترز في 25 مارس 2026، فإن القوى الغربية التي عجزت عن تأمين الملاحة في البحر الأحمر أمام قدرات الحركة، تواجه اليوم تحدياً أصعب في هرمز.
ويرى مركز أوسان أن وصول آلاف المظليين من الفرقة 82 الأمريكية يمثل رداً رادعاً على استراتيجية “عسكرة المضائق” التي تدمج باب المندب في صراع صفري. إن هذا المسار لا يهدد سلاسل التوريد العالمية فحسب، بل ينسف استقلالية الملف اليمني؛ حيث يؤدي “تدويل الأزمة” إلى تقديم مصالح القوى الكبرى في تأمين أمن الطاقة على معالجة الكارثة الإنسانية اليمنية، مما يضع البلاد أمام مخاطر الانزلاق نحو صراع اقتصادي مفتوح يتجاوز قدرة الفاعلين المحليين على الاحتواء.
الشرعية السيادية وضغوط الاستقطاب الدولي
بالتوازي مع هذه التجاذبات الإقليمية، تبرز تحركات المبعوث الأممي هانس غروندبرغ في العاصمة عدن (أبريل 2026) كمحاولة لفك الاشتباك بين المسارات السياسية المعطلة والانهيار الاقتصادي المتسارع. فقد ركزت سلسلة لقاءات المبعوث مع مسؤولي الحكومة المعترف بها دولياً، وفي مقدمتهم محافظ البنك المركزي ووزراء المالية والنفط، على بحث تداعيات اضطراب سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع كلف الشحن والتأمين الناتجة عن عسكرة الممرات المائية.
ويرى مركز أوسان أن هذا التوجه الأممي لربط المسار السياسي بالملفات الخدمية والاقتصادية يمثل محاولة لتأمين “شبكة أمان” للتهدئة الهشة، خاصة في ظل استمرار توقف صادرات النفط والغاز اليمني نتيجة التهديدات الميدانية؛ إذ يسعى غروندبرغ لاستثمار نافذة “هدنة الأسبوعين” الإقليمية لانتزاع تفاهمات محلية تقنية تحول دون تحلل ما تبقى من مؤسسات الدولة تحت وطأة الضغوط المعيشية الممتدة، وبما يضمن عدم ارتهان “الملفات المنقذة للحياة” بنتائج صراع المضائق العابر للحدود.
وعلى الصعيد السياسي، يبرز انقسام حاد في مفهوم “القرار الوطني”؛ ففي الوقت الذي تبحث فيه القوى الإقليمية عن مخرج تفاوضي، حذر مجلس القيادة الرئاسي اليمني في 9 أبريل، من تداعيات عسكرة حركة “أنصار الله” للأراضي اليمنية وتبنيها سياسات “ارتهان للخارج”.
ويرى مركز أوسان أن هذا الاستقطاب، المعزز بقرارات دولية مثل تصنيف كوستاريكا للحركة كـ “منظمة إرهابية” (9 أبريل)، يقلص مساحة المناورة المتاحة للوساطة الأممية. إن تلويح حركة “أنصار الله” بـ “مفاجآت وخيارات مؤثرة” يؤكد أن التهدئة الحالية لا تعني نهاية الصراع بقدر ما تمثل “مرحلة تهيئة” لجولات قادمة، تظل فيها الملاحة الدولية ورقة ضغط سياسية.
ويشدد مركز أوسان، من منظور تحليل السلام، على أن استعادة الاستقرار في اليمن تتطلب فك الارتباط الاستراتيجي بين المطالب الوطنية وبين حسابات المواجهة الإقليمية؛ فبدون “تحييد سياسي” للجغرافيا الوطنية، سيبقى السلام اليمني مجرد صدى لنتائج المفاوضات في العواصم الكبرى، بعيداً عن تطلعات الشعب اليمني في استعادة دولته وأمنه المعيشي.
إن بقاء مسار السلام في اليمن مقيداً بمهلة الـ “15 يوماً” الخاصة بفتح مضيق هرمز يعني عملياً تحويل القضية اليمنية من “ملف تسوية” إلى “ورقة مقايضة” دولية؛ فالمخرج الوحيد لضمان استدامة التهدئة يكمن في فصل الاستحقاقات المعيشية لليمنيين عن تذبذبات أسعار الطاقة وتوازنات الردع العابرة للحدود، منعاً لانهيار اقتصادي شامل لا يمكن للهدنات المؤقتة احتواؤه.