في ذلك اليوم انطلقت من صنعاء شرارة الحرب الأهلية اليمنية ضد الجنوب، حربٌ شكّلت وعيي ورسخت إيماني بعدالة القضية الجنوبية.
أمضيتُ أشهرًا أتنقّل بين عدن وصنعاء خلال مرحلة الوحدة بين جمهرية اليمن الديموقراطية الشعبية و الجمهورية العربية اليمنية ، مرحلة كانت تبدو للكثيرين في ظاهرها مشروعًا وطنيًا جامعًا، لكنها كانت تعجُّ بالتوترات والمخاوف التي لم يكن يدرك حقيقتها إلا من عاشها عن قرب.
ومع اشتعال شرارة الحرب، وجدت نفسي في قلب الأحداث، أتنقّل بين المواقع الأمامية ، أوثق تفاصيل تلك الحرب المشؤومة لحظة بلحظة، منذ يومها الأول إلى حدود سقوط المكلا.كانت تلك الفترة من أثقل المحطات في حياتي؛ فقد شهدتُ بأمّ عيني حجم المعاناة التي عاشها الناس، ورأيتُ كيف تحوّلت المدن إلى جبهات، وكيف تبدّل البشر تحت وطأة الألم والخوف. وكنتُ في كثير من الأحيان قريبًا من الخطر حدّ التنفّس، أسمع دويّ القذائف وأراقب انهيار المدن، خاصة بعد حادثة اغتيال الشهيد صالح أبو بكر بن حسينون التي شكّلت نقطة تحوّل، أعقبها سقوط المكلا يوما واحدا قبل سقوط عدن في مشهد لن يمحى من ذاكرتي
ومع مرور الأيام، وتراكم التجارب المريرة، تبلورت في داخلي قناعة راسخة بعدالة القضية الجنوبية. لم تكن قناعةً ولدت من العاطفة، بل نتيجة مشاهدة واقعية لحقائق الأرض، ولتاريخ طويل من التهميش والمعاناة التي دفع ثمنها الشعب الجنوبي. ومنذ ذلك الحين، أدركت أن الدفاع عن هذا الشعب وحقه المشروع في استعادة دولته ليس مجرد موقف سياسي، بل واجب أخلاقي وإنساني تجاه معاناة شهدتها عن قرب.
لهذا، سأظل متمسكًا بموقفي، مدافعًا عن القضية الجنوبية، مؤمنًا بعدالتها وحق شعبها في تقرير مستقبله وبناء دولته المستقلة، وفاءً لأرواح الشهداء الذين سقطوا أمامي في ساحة الوغى وللمدن التي رأيتها تنهار ثم تنهض من جديد.