كان التدهور المتصاعد في العلاقة بين الإمارات والسعودية في صميم القرار المفاجئ الذي اتخذته أبوظبي بالانسحاب من أوبك.
فالتنافس بين البلدين يتراكم منذ سنوات، لكن تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران هي التي وفرت الفرصة لإعلان الثلاثاء، بحسب عدد من المطلعين على الأمر. وقال أحدهم إن الأمر يشبه “الأخ الأصغر” الذي لم يعد يريد أن يبقى مقيدًا بـ”الأخ الأكبر”.
وبالإضافة إلى مغادرة أوبك، تدرس الإمارات عضويتها في منظمتين إقليميتين تتمتع فيهما السعودية بنفوذ واسع، بحسب بعض المصادر التي طلبت عدم كشف هويتها نظرًا لحساسية الموضوع.
ورغم عدم اتخاذ قرار نهائي بعد، فقد تجمد أبوظبي مقعدها في جامعة الدول العربية التي تتخذ من القاهرة مقرًا لها، وقد تتخذ خطوة مماثلة تجاه منظمة التعاون الإسلامي التي تتخذ من جدة مقرًا لها.
كما تدرس الإمارات أيضًا مستقبل مشاركتها الطويلة الأمد في مجلس التعاون الخليجي المؤلف من ست دول، بحسب المصادر نفسها. وكانت أبوظبي قد أكدت الأربعاء التزامها بدعم المجلس، رغم أن أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد، قال في وقت سابق من هذا الأسبوع إن المنظمة “في أضعف حالاتها تاريخيًا”.
وقال مسؤول إماراتي الأربعاء إن الدولة تعيد تقييم جدوى دورها ومساهمتها في المنظمات متعددة الأطراف، لكنها لا تدرس الانسحاب منها في الوقت الحالي.
ولا تتمتع أي من هذه المنظمات الثلاث بقدرة فعلية كبيرة على فرض النفوذ، لكن أي انسحاب منها سيبرز مدى إحباط الإمارات من بقية الدول العربية، ولا سيما السعودية، بسبب ما تعتبره غيابًا للتضامن في مواجهة التحديات العسكرية والاقتصادية الإقليمية منذ بدء حرب إسرائيل على حماس في عام 2023.
وقدمت الإمارات انسحابها من أوبك على أنه قرار اقتصادي مرتبط باحتياجاتها الإنتاجية المستقبلية. فهي قادرة على ضخ كميات أكبر بكثير مما تسمح به حصتها الحالية، ولم تعد ترغب في طلب إذن من السعودية للاقتراب من طاقتها القصوى، بحسب شخص مطلع على التفكير الإماراتي.
وفوق ذلك، فإن اضطراب الإمدادات العالمية الناتج عن إغلاق مضيق هرمز يعني أن الأسعار لن تنخفض في الوقت الراهن.
ويعتقد الإماراتيون أيضًا أن الطلب على النفط سيبدأ في التراجع بفعل التحول الطاقي أسرع مما يعتقد السعوديون، ولذلك يريدون تسييل احتياطياتهم سريعًا، بحسب أحد المصادر.
ومع ذلك، فإن القرار كان أيضًا أوضح إشارة حتى الآن إلى أن الدولة لم تعد تخجل من طموحاتها، ولا من بناء تحالفاتها السياسية والأمنية الخاصة، حتى إن تعارضت مع مصالح السعودية، أكبر اقتصاد عربي، والتي ترى نفسها زعيمة العالم الإسلامي الأوسع.
وقال نديم قطيش، المستشار الإعلامي والسياسي لعدد من الجهات الحكومية الإماراتية: “نحن نبني نموذجًا اقتصاديًا مختلفًا، وهذا يتطلب اصطفافًا سياسيًا جديدًا وإعادة تشكيل.”
وتشكل خطوة الشيخ محمد بن زايد، المعروف اختصارًا بـ MBZ، تتويجًا لسنوات من التوتر بينه وبين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.
فالبلدان، وهما حليفان رئيسيان للولايات المتحدة ويمتلك كل منهما أصولًا سيادية تتجاوز تريليون دولار، اصطدما سياسيًا في ملفات عدة من ليبيا إلى اليمن والسودان، حيث دعم كل طرف معسكرات مختلفة.
وبصورة عامة، تتهم الرياض أبوظبي بدعم جماعات انفصالية، بينما تنظر الإمارات بقلق إلى دعم السعودية لبعض التيارات الإسلامية.
كما يحتدم التنافس الاقتصادي بينهما، إذ تسعى السعودية إلى تحويل الرياض إلى مركز مالي ينافس دبي.
تحالفات متنافسة
ورغم هذا التوتر، ما تزال الإمارات والسعودية متفقتين في قضايا كثيرة، ومن المرجح أن تحافظا على علاقاتهما التجارية، إذ تعبر عشرات المليارات من الدولارات من السلع الحدود المشتركة سنويًا.
وقال مسؤول إماراتي إن اجتماعًا طارئًا غير مجدول لمجلس التعاون الخليجي في جدة، عُقد بالتزامن تقريبًا مع إعلان أوبك، وشارك فيه وزير الخارجية الإماراتي، كان خطوة في الاتجاه الصحيح، من دون تقديم مزيد من التفاصيل.
ومن المتوقع أن يساعد قرار أبوظبي مغادرة منظمة البلدان المصدرة للنفط في ترسيخ تحالفين إقليميين ناشئين:
الأول تقوده السعودية ويضم مصر وباكستان وتركيا.
أما الثاني فيضم الإمارات وإسرائيل والهند.
ومن وجهة نظر الهند، يبدو خروج الإمارات من أوبك تمردًا سياسيًا أكثر منه خطوة اقتصادية، وقد يضعف الوحدة العربية، بحسب مسؤولين في نيودلهي.
وقالت دانيا ظافر، المديرة التنفيذية لمنتدى الخليج الدولي في واشنطن: “الإمارات لا تريد اتباع نظام تقوده السعودية أو تركيا. إنها ترى نفسها قوة وسطى وثقلًا موازنًا للآخرين.”
وبدأت الإمارات التخطيط الجدي للخروج من أوبك منذ نوفمبر الماضي تقريبًا، وفقًا لمصادر مطلعة، لكن الخلافات بشأن أفضل السبل للرد على وابل الصواريخ الإيرانية خلال الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل هي التي فجرت الموقف.
وقد فكرت الإمارات في المشاركة في الهجمات ضد إيران، كما ضغطت للحصول على موافقة من الأمم المتحدة لإعادة فتح مضيق هرمز بالقوة، وهو مسعى لم تدعمه السعودية.
وعلى النقيض، دفعت الرياض بثقلها خلف المحادثات الدبلوماسية والوساطات السرية لإنهاء النزاع.
السعودية تخذل اخواتها
وتقول مصادر إن الحرب على ايران كشفت زيف الادعاء بان السعودية هي الشقيقة الكبرى حيث لم تحمي الا نفسها وتوقع اتفاقات حماية مع دول اخرى تخصها هي لوحدها من ايران واسرائيل
فالعديد من الدول العربية تنظر إلى إسرائيل باعتبارها قوة توسعية مزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط، وتحملها مسؤولية دفع الولايات المتحدة إلى بدء الحرب مع إيران.
وقال حسن الحسن، الباحث البارز في شؤون الشرق الأوسط لدى المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية: “هناك انقسام في الخليج. الإمارات لا تحظى بالدعم الكامل من الآخرين في مواجهة إيران.”
ولم تنضم الإمارات إلى الحرب، التي تعيش الآن وقفًا هشًا لإطلاق النار، رغم الأضرار التي سببتها الهجمات الإيرانية على البنية التحتية للطاقة في أبوظبي وعلى مكانتها كملاذ للسياح والمستثمرين.
وقد أطلقت إيران على الإمارات عددًا من الصواريخ والطائرات المسيّرة أكثر من أي دولة خليجية أخرى، ما زاد غضب أبوظبي.
وخلال نقاش هذا الشهر مع مسؤولين أوروبيين، عبّر محمد بن زايد عن استيائه من رد الفعل الجماعي للدول المجاورة على الهجمات الإيرانية، بحسب مصادر مطلعة.
وأشار إلى الانقسامات داخل مجلس التعاون الخليجي، ووصفه بأنه معطل وظيفيًا، وفقًا لتلك التقارير .
اللحظة المناسبة
وقال قرقاش، مستشار محمد بن زايد، إن فشل استراتيجية الاحتواء الخليجية تجاه إيران قبل بدء الحملة الأميركية الإسرائيلية أظهر أن منظمات مثل مجلس التعاون الخليجي لم تعد صالحة لأداء دورها.
وأضاف أن المجلس، الذي يضم الإمارات والسعودية وعُمان وقطر والبحرين والكويت، “هو الأضعف في تاريخه، بالنظر إلى طبيعة الهجوم والتهديد الذي يشكله على الجميع.”
ويعكس قرار الابتعاد عن أوبك نجاح الإمارات في تنويع اقتصادها بعيدًا عن النفط. فهي تحقق فوائض في الميزانية، ما يمكنها من تحمل أسعار أقل.
أما الحكومة السعودية فقد دخلت في عجز عام 2023، ومن المتوقع أن تبقى كذلك لسنوات عدة، إلا إذا أدى استمرار إغلاق مضيق هرمز إلى دفع الأسعار لمستويات أعلى.
وقال قطيش إن الجوانب الاقتصادية لمغادرة أوبك كانت سليمة، وإن الإمارات كانت تحتاج فقط إلى “اللحظة السياسية المناسبة”.
وقد وفرتها حرب إيران والاضطراب الكبير في إمدادات الطاقة العالمية الناجم عن إغلاق هرمز، والذي دفع أسعار النفط إلى ما فوق 100 دولار للبرميل.
وقال وزير الطاقة الإماراتي سهيل المزروعي في مقابلة عن قرار أوبك: “لن يكون له تأثير ضخم على السوق، فالسوق يعاني أصلًا من نقص في المعروض.”