آخر تحديث :الخميس - 07 مايو 2026 - 11:47 م

اخبار وتقارير


تقرير: لا تدعهم يستقرون ..منهج الاغتيالات الحوثية في مناطق الشرعية

الخميس - 07 مايو 2026 - 11:45 م بتوقيت عدن

تقرير: لا تدعهم يستقرون ..منهج الاغتيالات الحوثية في مناطق الشرعية

عاصم الصبري

مثّلت حادثة اغتيال المهندس وسام قائد، القائم بأعمال الصندوق الاجتماعي للتنمية، صدمة سياسية وأمنية واسعة على المستويين المحلي والدولي. ومنذ الساعات الأولى للحادثة، اتجهت أصابع الاتهام نحو جماعة الحوثي، بوصفها الطرف الأكثر استفادة من تصفية شخصية مدنية وإدارية ارتبط اسمها بإدارة واحدة من أهم المؤسسات التنموية العاملة في اليمن.


وبحسب مصادر أمنية مطلعة، فإن المعطيات الأولية تشير إلى تورط خلايا مسلحة جرى تجنيدها في عدن عبر شبكات مرتبطة بأجهزة الحوثيين الأمنية. وتتقاطع هذه الرواية مع إفادات مصادر قريبة من تنظيم القاعدة، نفت مسؤولية التنظيم عن الحادثة، وأشارت إلى أن بعض العناصر المستخدمة في العملية سبق أن ارتبطت به، قبل أن تنتقل لاحقًا إلى صنعاء أو تعمل ضمن شبكات مرتبطة بالقيادي أمجد خالد، الذي سبق أن اتهمته الحكومة اليمنية بالتعاون مع الحوثيين في تنفيذ عمليات عنف داخل عدن.


ومع انتظار ما ستعلنه الحكومة اليمنية عقب استكمال تحقيقاتها الرسمية، تبدو حادثة اغتيال وسام قائد مدخلًا مهمًا لفهم السياق الأوسع الذي تتحرك فيه جماعة الحوثي، واستكشاف المنطق الاستراتيجي الذي توظف من خلاله سلاح الاغتيالات في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية.


فحادثة وسام لم تكن الأولى من نوعها، وعلى الأرجح، ما لم تتغير البيئة الأمنية والسياسية، فإنها قد لا تكون الأخيرة.



من العسكريين إلى المدنيين.. تبدّل أولويات الحوثي


في السنوات الأولى للحرب، كان ميزان القوى العسكري يتأرجح بشدة بين الحكومة الشرعية المدعومة من التحالف العربي، وبين جماعة الحوثي التي لم تكن قد راكمت بعدُ قدرات تسليحية متقدمة، وكانت تعتمد بدرجة أكبر على أساليب حرب العصابات.


وخلال تلك المرحلة، انصبّ التركيز الحوثي على استهداف النخبة العسكرية الفاعلة ميدانيًا، وفي مقدمتهم اللواء أحمد سيف اليافعي، نائب رئيس هيئة الأركان، واللواء الركن عبد الرب الشدادي، قائد المنطقة العسكرية الثالثة، والعميد منير اليافعي “أبو اليمامة”، قائد ألوية الدعم والإسناد.


وشهدت قاعدة العند العسكرية في محافظة لحج واحدة من أبرز عمليات الاستهداف العسكري، حين نفذت جماعة الحوثي هجومًا بطائرة مسيّرة خلال حفل عسكري، أدى إلى مقتل وإصابة قيادات عسكرية رفيعة، من بينها نائب رئيس هيئة الأركان اللواء صالح الزنداني، ورئيس الاستخبارات العسكرية اللواء محمد صالح طماح.


لكن بعد اتفاق ستوكهولم أواخر عام 2018، دخلت الحرب اليمنية حالة جمود مؤقت. وخلال هذه الفترة، راكم الحوثيون أفضلية استراتيجية نسبية، لا سيما عبر استعراض قدراتهم الصاروخية والطائرات المسيّرة العابرة للحدود.


وقد تراجع نسبيًا قلق الحوثيين من تراكم القوة العسكرية التقليدية لدى خصومهم، سواء بشريًا أو تسليحيًا، بعدما أصبح بوسعهم تهديد منشآت حيوية في الخليج، كما حدث في هجمات أرامكو عام 2019، أو الضغط على الحكومة الشرعية عبر استهداف مواردها الحيوية، كما جرى لاحقًا في الهجمات على موانئ تصدير النفط. وهذه المعادلة قابلة، من حيث المنطق الحوثي، للتوسع نحو الموانئ التجارية والمطارات والمنشآت الحيوية في مناطق الحكومة.


عند هذه اللحظة، بدأ منطق الاغتيالات الحوثية يتغير. لم تعد الأولوية محصورة في استهداف القادة العسكريين القادرين على تغيير موازين المعركة، بل اتسعت لتشمل شخصيات مدنية وإدارية يمكن أن تسهم في بناء نموذج حكم أكثر تماسكًا وجاذبية في المناطق المحررة.




مطار عدن.. التحول نحو المؤسسات


شكّل الهجوم على مطار عدن الدولي، أثناء وصول الحكومة اليمنية المشكلة بموجب اتفاق الرياض، لحظة كاشفة في هذا المسار. فقد قُصف المطار بعدة صواريخ، ما أسفر عن سقوط عشرات الضحايا من المدنيين والعاملين والمسافرين، فيما نجا أعضاء الحكومة.


فشل الحوثيون تكتيكيًا، لكن خصومهم تكفلوا بتحقيق الهدف الاستراتيجي بسبب خلافاتهم السياسية التي أعاقت عمل الحكومة. وفي هذا السياق، بدا أن تركيز الحوثيين أخذ يتجه نحو قطاعات أكثر حساسية: المؤسسات المالية، والإدارية، والتنموية، والدولية؛ أي تلك القطاعات التي يمكن أن تنتج تراكمًا مؤسسيًا طويل الأمد، وتسهم في تعديل ميزان القوى عبر ما يمكن تسميته بـ“القوة الذكية”، لا عبر السلاح وحده.




“متعهدو الخدمات الإرهابية”


مع بدء جولات الحوار السعودي ـ الإيراني بوساطتين عراقية وعُمانية، اتجه المناخ الإقليمي إلى خفض نسبي للتصعيد المباشر. وضمن هذا السياق، بدا أن الحوثيين التزموا، في لحظات معينة، بقواعد اشتباك تقلل من العمليات المباشرة الكبيرة على غرار هجوم مطار عدن. غير أن ذلك لم يعنِ، وفق مصادر أمنية، توقف النشاط الأمني الحوثي داخل مناطق الشرعية.


وبحسب هذه المصادر، اعتمد الحوثيون بصورة متزايدة على وكلاء محليين، يمكن وصفهم بـ“متعهدّي الخدمات الإرهابية”. وفي هذا السياق، برزت أهمية العلاقة التحالفية بين جماعة الحوثي وتنظيم القاعدة، لا سيما في ظل نفوذ سيف العدل، القيادي الجهادي الذي تحكم بفرع التنظيم في اليمن وما يزال مقيمًا في إيران.


وبرز أيضًا اسم أمجد خالد، القائد العسكري السابق، الذي اتهمته الحكومة اليمنية بالارتباط بجماعة الحوثي والتورط في عمليات استهداف داخل عدن، من بينها محاولة اغتيال محافظ عدن السابق أحمد لملس، واغتيال العميد ثابت جواس.


غير أن مصادر أمنية تحدثت لهذا التقرير تشير إلى أن الحوثيين لم يكتفوا بالاعتماد على وكيل محلي واحد، ولم يثقوا تمامًا بقدرة هذه الشبكات على تنفيذ كل المهام المطلوبة. لذلك، سعوا إلى بناء خلايا أكثر ارتباطًا بهم، تضم قتلة مأجورين وعناصر سابقة في تنظيمات جهادية.


وهذا النمط، وفق المصادر ذاتها، يتيح للحوثيين تحقيق ثلاثة أهداف في آن واحد: تنفيذ عمليات نوعية منخفضة الكلفة، وإخفاء البصمة المباشرة للجماعة، ودفع التهمة نحو تنظيمات جهادية أو شبكات جنائية محلية.




استهداف قيادة البنك المركزي


في عام 2021، كشفت قوات العاصفة في عدن خلية اغتيالات قالت إنها ممولة من الحوثيين، وكانت تستعد لاستهداف قائمة من القيادات والشخصيات المهمة في مناطق الشرعية، من بينها مسؤولون حكوميون رفيعو المستوى، أبرزهم وكيل قطاع المصارف في البنك المركزي اليمني، منصور راجح.


ومع احتدام معركة نقل البنوك التجارية من صنعاء إلى عدن في عام 2024، أفاد مصدر أمني مطلع ومصدر مسؤول في البنك المركزي بأن الحوثيين حاولوا تجنيد أحد أبناء مديرية كريتر، ويدعى “علي محمد”، وتكليفه بالتسلل إلى مقر البنك واستهداف قيادته.


وبحسب ما أظهرته التحقيقات، فإن الشاب لم يكن مقتنعًا تمامًا بالمهمة، وحاول الاستفادة من العائد المالي والمماطلة في تنفيذها. وقد ساعد تردده الأجهزة الأمنية على كشفه. واعترف المتهم بتفاصيل استقطابه استخباراتيًا إلى صنعاء، ومحاولة تجنيده هناك، وآليات التواصل معه.


وكانت هذه واحدة من أكثر محاولات الحوثيين خطورة وسذاجة في الوقت نفسه. فقد عكست، بحسب المصادر، يأسًا سياسيًا وأمنيًا؛ لأن محافظ البنك وبقية أفراد طاقمه لم يغادروا أبدًا محل عملهم، الذي صار أيضًا محل إقامتهم، وكانت إجراءات التفتيش مشددة على من يزورهم. لذلك، لم يكن بوسع الحوثيين استهدافهم عبر عملية مسلحة أو تفجير مباشر.


وقد هدد الحوثيون بإمكانية توجيه هجوم صاروخي على البنك، لكن ذلك ظل خيارًا صعبًا بحكم قواعد الاشتباك التي فرضتها تفاهمات إقليمية. ولم يكن أمامهم سوى العمل بنمط “متعهدّي الخدمات الإرهابية”.


وكثيرًا ما يجعلهم هذا عرضة للانكشاف، لكنه كان ينجح في أحيان كثيرة، خصوصًا إذا كان الهدف لا يتخذ الاحتياطات الأمنية الكافية.




تخادم الحوثي والقاعدة.. اغتيال مؤيد حميدي في تعز


في عام 2023، ومع تصاعد القيود الحوثية على العمل الإنساني في صنعاء، اتجه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” إلى تعزيز حضوره في مناطق الحكومة، وبرزت منطقة التربة في تعز واحدة من البيئات المحتملة لنقل جزء من النشاط الإنساني الدولي.


وفي هذا السياق، جاء اغتيال مؤيد حميدي، مدير مكتب برنامج الغذاء العالمي في محافظة تعز. وبحسب مصادر أمنية وأخرى قريبة من القاعدة، فإن من نفذ العملية خلية اغتيالات بقيادة الجهادي “زكريا الشرجبي”، الذي قُتل أثناء ملاحقته من قبل الأجهزة الأمنية.


وعكست هذه العملية أهمية العلاقة التحالفية بين جماعة الحوثي وتنظيم القاعدة خلال حقبة خالد باطرفي، الأمير السابق للقاعدة، وفي ظل التأثير المتنامي الذي كان يمارسه القيادي الجهادي “سيف العدل” المقيم في إيران.


وخلال هذه الفترة، شملت خطط التنظيم، بحسب المصادر، عمليات استهداف لموظفين دوليين في عدن وحضرموت. لكن صعود الزعيم الحالي للقاعدة، سعد العولقي، أدى إلى إلغاء كل هذه الخطط وتجميد التعاون المتبادل في عمليات الاغتيال.




إنشاء الخلايا.. اغتيال وسام قائد


خلال عام 2025، شهدت علاقات الحوثيين تدهورًا ملحوظًا مع وكلائهم المحليين في عمليات الاغتيال: تنظيم القاعدة وأمجد خالد. وبالنسبة إلى القاعدة، دشّن صعود العولقي مرحلة جديدة تقوم على اتخاذ مسافة أكبر من الحوثيين، وذلك بحسب ما أكدته مصادر مقربة من قيادة التنظيم.


أما أمجد خالد، فقد أوضحت مصادر أمنية مطلعة أن علاقته بالحوثيين شهدت فجوة بسبب عدم انصياعه الكامل، ومحاولة تقديم نفسه كحليف يمتلك أعداءً مشتركين مع الحوثي، وليس أداة طيعة لعملياتهم. لذا، تقول المصادر إنه خلال الأشهر الماضية جرى تجفيف مصادر التمويل التي كانت سخية جدًا معه، ما دفع كثيرًا من العناصر التابعة له إلى الانشقاق وتقديم خدماتها للحوثيين بصورة مباشرة.


وبحسب مصادر أمنية وأخرى مقربة من القاعدة، فإن المعلومات الأولية تشير إلى أن الحوثيين استقطبوا عددًا كبيرًا من العناصر الجهادية السابقة وعناصر مرتبطة بأمجد خالد، وقاموا بتدريبهم في صنعاء للقيام بعمليات اغتيال في عدن، وكان المهندس وسام قائد أول ضحاياهم.


وتصف المصادر العملية بأنها اتسمت بالتسرع والوحشية وضعف الاحتراف، وهي سمات تتكرر، بحسبها، في بعض العمليات التي تُنفذ عبر وكلاء محليين، لا عبر جهاز أمني مركزي محترف.




لماذا وسام؟


عُرف وسام بتفانيه في العمل، وارتبط اسمه بالصندوق الاجتماعي للتنمية، وهو واحد من أهم المؤسسات التنموية التي حافظت، رغم الحرب، على قدر من الفاعلية والانتشار والقدرة على الوصول إلى المجتمعات المحلية.


وبحسب مقربين من وسام، فقد دخل خلال الفترة الأخيرة في خلافات متزايدة مع الحوثيين حول إدارة الصندوق وطبيعة تدخل الجماعة في مشاريعه ومحاولاتها تسييس أنشطته أو إخضاعه لأولوياتها. وتقول هذه المصادر إن تلك الخلافات بلغت مرحلة حرجة.


ورغم حمله الجنسية البريطانية، لم يختر وسام مغادرة اليمن إلى الخارج، بل انتقل إلى عدن في ظروف أمنية صعبة، بعدما نجا بأعجوبة من الدخول ضمن الموظفين المدنيين والدوليين المعتقلين لدى الحوثيين. وبعد وصوله إلى العاصمة المؤقتة، تلقى، بحسب المصادر نفسها، تهديدات متكررة لدفعه إلى تجميد عمله أو منع انتقال ثقل الصندوق إلى مناطق الحكومة.


وبعد اغتياله، اتصل مسؤول حكومي بزوجته لتقديم العزاء. وقد ردّت زوجته بالقول إن ما يمكن تقديمه الآن للشهيد هو الحفاظ على الغاية التي مات لأجلها: ألا يعود الصندوق الاجتماعي للتنمية إلى صنعاء، وألا يقع مجددًا تحت هيمنة الحوثيين.




درسان قاسيان ومهمان


ينبغي لقيادة السلطة الشرعية أن تستخلص من هذه الواقعة المؤلمة درسين أساسيين:


الأول، أن توحيد الأجهزة الأمنية والاستخباراتية لم يعد ترفًا سياسيًا أو إداريًا، بل ضرورة قصوى. فوجود أجهزة متعددة، وولاءات متداخلة، وغرف عمليات غير منسجمة، يخلق فراغات أمنية تستفيد منها شبكات الاختراق والاغتيال. وعلى الشركاء الإقليميين والدوليين أن يتعاملوا مع هذا الملف بوصفه أولوية عاجلة، لا بندًا مؤجلًا ضمن إصلاحات طويلة الأمد.


أما الدرس الثاني، والأهم استراتيجيًا، فهو أن ما يقلق الحوثيين ليس الخطاب المتكرر عن اقتراب تحرير صنعاء، ولا الوعيد السياسي بشأن اليوم التالي، بل العمل الجاد والدؤوب داخل المناطق المحررة.


ويدرك الحوثيون أن قرار الحرب والسلم في اليمن بات، إلى حد كبير، محكومًا بتفاهمات إقليمية معقدة، تتداخل فيها الحسابات السعودية ـ الإيرانية، ومواقف واشنطن، وحسابات أمن المنطقة. لكنهم يدركون أيضًا أن تعديل ميزان القوى لا يزال ممكنًا عبر أدوات تراكمية ذكية، وأن ذلك بات الآن في متناول الحكومة الشرعية أكثر من أي وقت مضى.


يمن فيوتشر