تظل إرادة الشعب في الجنوب بصيرةً نافذةً في خلق الوعي واستشرافه نحو كينونة الوطن، ذلك الكيان العصي على الانمحاء، المتجذر في ضمير التاريخ والجغرافيا معًا، وتظل آماله المتطلعة إلى استعادة دولة الجنوب العربي الفيدرالية كاملة السيادة هي الصوت الأقوى، والنداء الأصدق، والحقيقة التي لا توارب ولا تخاتل. وفي خضم هذا المشهد المتوهج بالإرادة الجمعية، تبرز مطالبات الجماهير المليونية في عدن وحضرموت والمهرة وسطقرى بتجديد التفويض الشعبي للرئيس عيدروس الزبيدي بوصفها قراءةً واعيةً عميقةً لمدلولية الانتماء للجنوب؛ فالجماهير المليونية لم تمنح ثقتها لشخصٍ بذاته فحسب، بل رأت فيه تجسيدًا حيًّا للأمانة الوطنية، وطمأنينةً نادرةً في زمن تعاظمت فيه الخيانات، ووثوقًا بأن الجنوب يُستعاد وطنًا لا سلطة، وهويةً لا منصبًا، وقضيةً لا مغنمًا.
وما كان قرار الرئيس الزبيدي لتحرير جغرافيا الجنوب في حضرموت والمهرة إلا دليلًا واضحًا من أنه لا تثنيه رياح المصالح الضيقة، ولا تغويه بهارج السلطة الزائفة وما تضحيته بالسلطة، حين اقتضت الحكمةُ التنازلَ عن المكاسب الآنية درءًا للانقسام وحفظًا للصف، إلا برهانٌ ساطعٌ على أن الوطن هو المطلب الأسنى، والخيار الكينوني الذي تلتقي عنده الذات الفردية والذات الجمعية في انصهار نادر لا يشوبه نفاق ولا انتهازية. ولأجل هذا المعنى السامي تحديدًا، قُبل التفويض أول مرة، وجُدد في المرة تلو المرة، حتى غدا الملايين عنوانًا للحقيقة، وميزانًا للصدق، ومحرقةً يلقي فيها المبطلون بأقنعتهم.
غير أن الداء الذي انتاب الذات الجنوبية، وأقصد به تلك الذات الباحثة عن سلطة لا وطن، والمتطلعة إلى كرسي لا قضية، سرعان ما تكشفت أعراضه مع أول اختبار حقيقي للمشروع الجنوبي التحرري. فحين هبّت تحديات العاصفة، وتكالب الخصوم، وتشابكت الخيوط إثر أحداث حضرموت وتداعياتها المؤلمة، برز إلى السطح أولئك الذين كانوا ينخرون في جسد المجلس الانتقالي نخر السوس في الخشب المسند، متكئين على مادياته ومغانمه وامتيازاته، متوشحين شعارات النضال وهم منها براء. وما إن جاء يوم الكشف، يوم احتدمت فيه المواقف وتمايزت فيه المعادن، حتى رأيت من آثر الصمت والمنطقة الرمادية، متواريًا خلف ستار الترقب والحذر، يظن أن الترتيب يأتي بالسكوت، وأن السلامة في الخفوت، وما درى أن التاريخ لا يكتبه الصامتون، وأن الثورات لا يصنعها المتربصون.
أما الانتهازي الذي جاهر أخيرًا بسقطته، فقد تبرأ من قرارات ديسمبر ووصمها بأنها قرارات انفرادية، وكأنه لم يكن حاضرًا في صياغتها، أو كأنه لم يباركها في الغرف المغلقة أو جاء إلى ساحة العروض وقال أمام الجماهير أعلنها دولة يا عيدروس وقبل أن يتنصل منها على الملأ. وتبرأ من المجلس الانتقالي وإنجازاته العظام لمجرد أن وجد ضالته المنشودة في مكان آخر، أو لمجرد أن هوى نفسه مال به حيث المصلحة الآنية، ولو كان ذلك على حساب تضحيات قضية الجنوب العادلة.
والآن، وبعد هذا المسير الطويل الموشى بالتضحيات والدماء والدموع، وصلت الأمور إلى غاية لا تحتاج إلى اجتهاد، ولا تحتمل التأويل، ولا تقبل أنصاف الحلول ولا أرباع المواقف. فالسؤال الماثل أمام كل جنوبي غيور، وأمام كل مراقب منصف: هل الجنوب الذي خرجت من أجله مليونيات التفويض، واحتشدت له الحناجر، واختلطت فيه دموع الشيوخ بزغاريد الأمهات، هو الجنوب العربي الفيدرالي الذي ينشده الأحرار، أم جنوب السلطة الذي ينتكس بأقرب اهتزاز، وينهار عند أول امتحان، ويُباع ويُشترى في سوق المزايدات السياسية الرخيصة؟ إن الجواب الذي دوّته الملايين في الساحات، والذي خطّته مسيرات التفويض بحبر الإرادة والثبات، ليؤكد أن الجنوب عصيٌّ على المتآمرين، وأن شعبه قد بلغ من الوعي مبلغًا لا تنطلي عليه أقنعة الانتهازية، ولا تخدعه شعارات الزيف، ولا تغرّه وعود المنقلبين. إنه جنوب الكينونة، جنوب الهوية، جنوب التضحية، وسيظل كذلك حتى يكتب الله له النصر، وترفرف رايته خفّاقةً فوق كل ذرة من ترابه الطهور.