آخر تحديث :السبت - 16 مايو 2026 - 08:32 م

تحقيقات وحوارات


لحج ..حقبة موغلة في المجد ومشروع ثقافي متكامل

السبت - 16 مايو 2026 - 07:51 م بتوقيت عدن

لحج ..حقبة موغلة في المجد ومشروع ثقافي متكامل

كتب / د.أمين العلياني

آن للحج أن تتنفس الفن!!!


بقلم: د. أمين العلياني


حين تُشرَع أبواب التاريخ على مصراعيها، لا يعبر المرء إلى فضاء عابر، بل يلج سحيق الذاكرة حيث تستحم الروح في أنهار من ضوء، وتغتسل من غبار السأم برحيق الجمال المتدفق من ينابيع الفن الأصيل. وفي صبيحة هذا السبت المشرق، وجدت نفسي أدلف إلى رحاب كلية ناصر للعلوم الزراعية، لا ألتمس علمًا زراعيًّا ولا أبتغي درسًا أكاديميًّا، بل كنت على موعد مع ما يشبه الولادة الثانية للذائقة، حيث أقامت مؤسسة "سطور الثقافية" معرضها الفني الباذخ "ألوان وأنغام من لحج"، ذلك المعرض الذي جاء بدعم كريم من الاتحاد الأوروبي عبر معهد جوته وشركاء الاتحاد لمنح المراكز والمؤسسات الإبداعية، وبدعوة كريمة خصتني بها مديرة المشروع الأستاذة شيماء باسيد، مديرة مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل بمديرية الحوطة عاصمة محافظة لحج، تلك المرأة التي تقرأ المستقبل من عيون الحالمين، وتبني بالكلمة الصادقة جسورًا من نور تعبر فوق مستنقعات اليأس.


وما إن وطئت قدماي أرض المعرض، وبدأت عيناي رحلتهما المتأملة بين جنبات الصور الإبداعية واللوحات الفنية، حتى أحسست أن ثمة يدًا خفية تنتشلني من صخب الحاضر وترميني في أحضان حقبة موغلة في المجد، حقبة السلطنة العبدلية التي ما كانت مجرد كيان سياسي عابر في دفتر الزمن، بل كانت مشروعًا ثقافيًّا متكاملًا، نسيجًا فريدًا حاك خيوطه من البناية والعمارة، ومن الملبس والتطريز، ومن الزراعة والطبخ، ليصنع هوية لحجية متكاملة الأركان، مكتملة الملامح، عصية على النسيان أو التشويه. إنها الهوية التي تتجلى اليوم، بعد طول غياب وكثيف غبار، في أعمال هؤلاء الشباب الذين انتفضوا على واقع مثخن بجراح الحرب، وأعلنوا بعناد العاشقين أن ثمة ما يستحق الحياة، وأن للفن دينًا في أعناقهم لن يسقط بالتقادم، وأن الوقت قد آن كي تتنفس لحج الفن بعد طول اختناق، آن لها أن تخلع عنها أردية الرصاص وتلبس أثواب النور، آن لها أن تتصالح مع روحها الجميلة التي ظلت أسيرة في أقبية النسيان والخوف.


وهنا يتردد في خاطري صدى الأمير الشاعر أحمد فضل القمندان، حين أنشد للحج بلسان العاشق المتيّم، وكأنه كان يستشرف هذا الحراك الثقافي من وراء حجب الزمن:


يا لحج يا أرض الهوى والعشق والغزلِ


يا جنة الخلد التي في حسنها مثلي


ويقول في موضع آخر، وكأنه يخاطب هؤلاء الشباب الذين حملوا الراية من بعده:


لحج الجميلة كم لها في القلب من عشق


وكم لها في خافقي من لاعج الأرق


إنها الكلمات ذاتها التي تتردد في جنبات المعرض، وتنطق بها الصور واللوحات بلسان الحال لا بلسان المقال، وكأن روح القمندان تحلق في ذلك الفضاء، تبارك هذا الحراك، وتشد على أيدي هؤلاء الشباب الذين أعادوا للحج بعضًا من بريقها المسلوب.


ولقد أدركت، وأنا أتنقل بين تلك الأعمال الفنية التي لا تشبه بعضها إلا في الجودة والإتقان، أن ما يجري ليس مجرد معرض يُقام ثم يُطوى، بل هو حراك ثقافي متكامل تضطلع به مؤسسة "سطور الثقافية" بقيادة رئيسها المتألق الأستاذ أيمن السقاف، الذي استطاع مع فريقه المخلص أن يحوّل الحبر والريشة والعدسة إلى جنود مكافحة للخراب، وإلى منابر صامتة تخطب في وجدان المتلقي لغة لا تشبه لغات الخطاب المباشر، بل تتسلل إلى الأعماق كنسمة الفجر الندية، فتوقظ ما خدرته سنون القحط الثقافي، وتعيد للذاكرة الجمعية صورة لحج التي كانت يومًا منارة للفن والإبداع، والتي قال بها الشعراء فأنشدوا، وغنى لها الفنانون فأطربوا، وكتب عنها المؤرخون فأسهبوا. إن الصور التي عُلقت على الجدران لم تكن مجرد أوراق مصقولة، بل كانت نوافذ تطل منها روح المدينة العتيقة، وتتنفس من خلالها عبق التاريخ، وتهمس في أذن الزائر بأن الجمال لا يموت، بل يتوارى كالشمس خلف الغيوم، منتظرًا اللحظة المناسبة ليبزغ من جديد، وهذا بالضبط ما فعله هؤلاء الشباب الذين آمنوا برسالتهم فحملوها على أكتافهم، وساروا بها في دروب محفوفة بالصعاب، غير آبهين بالعواصف، ولا مكتفين بما تحقق، بل طامحين إلى أفق أرحب يعيد للحج مكانتها التي تليق بها في خارطة الثقافة الجنوبية والعربية.


ويتراءى لي، وأنا أغوص في أعماق هذا المشهد الثقافي المتوهج، أن ثمة وشيجة خفية تربط بين ما يحدث اليوم وما كان بالأمس، وكأن الزمن استدار ليعيد للحج بعضًا من روحها التي سكنت قصائد القمندان وألحانه، حيث يقول وكأنه يرثي حال الفن الذي غاب عنها حينًا من الدهر، ويستحثه على العودة:


زمان الفن ولّى وانقضى عصر المسرّة


وزال اللهو من لحج ومن كل الجهات


ثم يعود متفائلًا، مستشرفًا غدًا أفضل، فيقول في قصيدة أخرى:


لحج عادت كما كانت رياضًا مزهرات


تنثر الزهر على العشاق في كل الفلاة


وكأني به، رحمه الله، يقف بيننا اليوم في هذا المعرض، متكئًا على عكازه، ينظر إلى تلك الأعمال بعينين تفيضان بالرضا، ويهمس في آذان الشباب: "أحسنتم، فقد أعدتم الروح إلى جسد كان يوشك أن يفارق الحياة!"


ولا يغيب عن ناظريّ، وأنا أغادر المكان بجسدي بينما روحي ما تزال معلقة بتلك الأعمال، أن هذا الحراك الثقافي الواعي والخلاق ليس ترفًا فكريًّا ولا نزهة عابرة في حدائق الجمال، بل هو مشروع نهضوي متكامل يستطيع، إن التقطت مؤشراته قيادة السلطة المحلية في المحافظة بقيادة معالي الأستاذ الشاب المتميز مراد علي محمد الحالمي محافظ المحافظة، أن يتحول إلى رافعة حقيقية للتنمية، وإلى بديل استراتيجي عن لغة الحرب التي أنهكت الوجدان، وقتلت الإبداع، وشوهت الذائقة، وأفقرت الروح. إن تحولًا كهذا من شأنه أن يزيح الركام عن كنوز مدفونة، وأن يعيد للمحافظة نبضها الثقافي الذي يكاد يكون متوقفًا، وأن يفتح أبواب الأمل أمام جيل كامل من المبدعين الذين ينتظرون إشارة البدء، والذين أثبتوا، من خلال هذا المعرض وغيره من الفعاليات، أنهم على قدر المسؤولية، وأن لديهم من الوعي والحس الوطني ما يجعلهم قادرين على قيادة دفة التغيير نحو آفاق أكثر إشراقًا وإنسانية.


ولعل خير ما أختم به هذه الكلمات، وهذا الاستشراف لمستقبل ثقافي واعد، تلك الأبيات الخالدة للقمندان التي تصلح أن تكون شعارًا لهذا المشروع الثقافي المتكامل، ودستورًا لمن أراد أن يعيد للحج مجدها الفني الغابر:


يا رب تحيي لي ليالي الوصل في لحج


والسعد والصفو واللذات والفرح


أيام لهوٍ بها الأفراح قاطبةً


والأنس والغيد والألحان والمرح


إن الفن، في نهاية المطاف، هو المرآة التي ترى فيها الأمم وجهها الحقيقي، وهو البوصلة التي لا تخطئ طريقها نحو المستقبل، وهو الهواء النقي الذي لا بد للحياة من استنشاقه كي تستمر على نحو يليق بكرامة الإنسان. وإن لحج، بتاريخها العريق وحاضرها الواعد، لأجدر بأن تتنفس هذا الهواء، وأن تملأ رئتيها به، وأن تصدره للآخرين كما كانت تفعل دائمًا، منارة تشع في الظلام، وقصيدة لا تنتهي أبياتها، ولحنًا لا تموت أنغامه.