لم تعد قضية "ميرا" مجرد خلاف على فِلّة في صنعاء، بل تحولت مع مرور الوقت إلى واحد من أكثر الملفات غموضاً وإثارة للجدل في اليمن، خصوصاً مع اتساع دائرة الروايات والتسريبات والتساؤلات التي تربط القضية بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين، والرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح، وبصراعات النفوذ التي أعقبت سقوط الدولة وانفجار الحرب.
الروايات المتداولة منذ سنوات تقول إن ميرا وصلت إلى اليمن عام 2003 تحت رعاية مباشرة من نظام الرئيس صالح، وإن هويتها الحقيقية أُخفيت لأسباب سياسية وأمنية حساسة، فيما يؤكد كثير من المقربين من النظام السابق وأنصار المؤتمر الشعبي العام أنها كانت تحظى بحماية ورعاية خاصة داخل اليمن، وهو ما فتح الباب أمام تكهنات واسعة حول حقيقة شخصيتها وعلاقتها بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين.
ومع مقتل الرئيس صالح ودخول البلاد مرحلة أكثر تعقيداً، ظهرت اتهامات تتحدث عن نهب الفلة التي كانت تقيم فيها ميرا، واختفاء وثائق ومقتنيات وأموال يُقال إنها كانت بحوزتها، لتتحول القضية من مجرد نزاع عقاري إلى ملف مليء بالأسرار والأسئلة الثقيلة.
الأكثر إثارة للجدل هو الحديث المتداول عن أن ميرا لم تصل إلى اليمن “كضيفة سياسية” فقط، بل جاءت ومعها أموال ضخمة قيل إنها بلغت خمسة عشر ملياراً كأمانات خاصة وسيادية أرسلها والدها معها إلى اليمن.
وإذا كانت هذه الروايات صحيحة، فإن القضية لا تتعلق بفِلّة واحدة فقط، بل بحقوق مالية هائلة تستوجب تحقيقاً شاملاً لا انتقائياً.
وهنا يبرز سؤال محوري: لماذا يتوقف التضامن عند حدود العقار فقط؟
إذا كان هناك من يطالب بإعادة الفلة إلى ميرا باعتبارها صاحبة حق، فهل يمتد المبدأ ذاته إلى بقية الادعاءات المتعلقة بالأموال والمقتنيات والأمانات؟ أم أن بعض الملفات تُفتح فقط عندما تخدم الخصومة السياسية، ثم تُغلق عندما تقترب من مراكز النفوذ؟
القضية أصبحت اليوم اختباراً حقيقياً لمفهوم العدالة في اليمن.
فالحق لا يتجزأ، والإنصاف لا ينبغي أن يُقاس بحسب هوية الخصم أو الحليف.
كما أن ما زاد الغموض حول الملف هو حالة الصمت والتراجع التي أحاطت بكل من اقترب من القضية؛ شخصيات تحدثت ثم اختفت، وشهادات ظهرت ثم تراجعت، وصفحات أغلقت، وتسويات قيل إنها طُرحت ثم انهارت، وهو ما عزز شعور الشارع بأن هناك “صندوقاً أسود” مليئاً بالأسرار التي لم تُكشف بعد.
البعض يربط ما جرى بخلفيات سياسية وإقليمية معقدة، خصوصاً في ظل العلاقة المعروفة بين الحوثيين وإيران، وما تحمله ذاكرة الحرب العراقية الإيرانية من إرث وعداء تجاه صدام حسين.
في المقابل، يرى آخرون أن القضية قد تكون مجرد ملف داخلي جرى تضخيمه إعلامياً وسط غياب المعلومات الرسمية والشفافية.
لكن بين هذه الروايات المتضاربة، تبقى الحقيقة الأهم أن الغموض المستمر هو ما يغذي الشائعات ويحول أي قضية إلى مساحة مفتوحة للتأويل والتوظيف السياسي.
ولهذا، فإن الطريق الوحيد لإغلاق هذا الملف بشكل عادل لا يكون عبر الحملات الإعلامية أو الاصطفافات السياسية، بل عبر تحقيق قانوني شفاف يكشف للرأي العام حقيقة ما جرى: من هي ميرا؟
ما حقيقة الأموال والأمانات المتداولة؟
أين ذهبت الوثائق والمقتنيات؟
ومن يتحمل مسؤولية ما حدث إن ثبتت الادعاءات؟
فالعدالة لا تُبنى على العواطف، لكنها أيضاً لا تقوم على الصمت.
قد تبقى بعض الأسرار مخفية لفترة، لكن التاريخ أثبت دائماً أن الملفات التي تُدفن تحت ركام السياسة تعود يوماً إلى السطح… لأن الحقيقة مهما تأخرت، لا تموت.
أما اليوم، فإن جوهر القضية لم يعد في الجدل ولا في الروايات المتناقلة، بل في كشف الحقيقة كاملة دون انتقائية، وضمان إنصاف ميرا إن ثبتت حقوقها وهويتها بالأدلة والوثائق، بعيداً عن الضغوط أو التوظيف السياسي.
فالحقيقة وحدها هي التي تُنهي هذا الجدل، وتغلق “الصندوق الأسود” مهما طال الزمن.