عن أي وحدة يتحدث رشاد العليمي اليوم؟
أي وحدة بقيت أصلًا حتى يدعو الناس للتمسك بها؟
الوحدة انتهت يوم تحولت من شراكة بين دولتين إلى حرب واحتلال في صيف 1994، عندما اجتاح الشمال الجنوب بالقوة العسكرية، وتم إسقاط مشروع الشراكة الوطنية وتحويل الجنوب إلى أرض خاضعة بالقوة والنفوذ والإقصاء.
رشاد العليمي نفسه كان جزءًا من منظومة حرب 94 ومن السلطة التي أدارت الجنوب بعقلية الغنيمة والهيمنة، ولذلك فإن حديثه اليوم عن “المظالم” ليس اكتشافًا جديدًا، بل اعتراف متأخر بجريمة سياسية ووطنية ارتكبت بحق شعب الجنوب طوال عقود.
منذ تلك اللحظة، لم تعد هناك وحدة حقيقية، بل واقع احتلال فرض بالقوة.
لكن شعب الجنوب لم يستسلم، وخاض نضالًا طويلًا وشاقًا، وقدم آلاف الشهداء والجرحى والمعتقلين، حتى أصبحت قضية الجنوب قضية وطنية سياسية عادلة، عنوانها استعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة.
ثم ماذا حدث في الشمال نفسه؟
سقطت صنعاء بيد الحوثيين، وتم إسقاط الجمهورية والدولة ومؤسساتها، وقُتل علي عبدالله صالح، وانتهى النظام الذي كان يتحدث باسم “الوحدة والجمهورية”.
اليوم الحوثي يحكم الشمال كأمر واقع، ولا يعترف أصلًا بالجمهورية التي يتحدثون عنها، بينما من يسمون أنفسهم “الشرعية” يعيشون خارج البلاد منذ سنوات.
أما الجنوب، فقد استطاع أبناؤه تحرير أرضهم بدمائهم وتضحياتهم، بينما كانت القيادات الشمالية تهرب إلى الخارج وتنتظر التدخل الإقليمي والدولي.
بعد ذلك تدخلت السعودية، وصنعت كيانًا هشًا اسمه “الشرعية المعترف بها دوليًا”، على أساس أنها ستسقط الحوثي خلال أيام أو أسابيع.
مرت السنوات، وكبرت قوة الحوثي، وتحول إلى سلطة أمر واقع يتفاوض معها الجميع.
حتى الرياض نفسها أصبحت تحاور الحوثي وتفاوضه وتبحث عن تفاهمات معه.
في المقابل، ماذا بقي من هذه “الشرعية”؟
لا دولة عادت.
لا جمهورية استعيدت.
لا صنعاء تحررت.
لا تعز حُررت بالكامل.
ولا حتى بيت رشاد العليمي نفسه عاد إليه.
رئيس يعيش في الرياض، ويلقي خطاباته من العاصمة السعودية، ثم يحدث الناس عن “الدولة” و”الوحدة” و”معالجة القضية الجنوبية تحت سقف الدولة”!
أي دولة هذه؟
وأين هي؟
وفي أي جغرافيا موجودة أصلًا؟
الحقيقة التي يحاولون الهروب منها أن الجنوب اليوم موجود بإرادة شعبه وتضحيات أبنائه، بينما مشروعهم انهار على الأرض سياسيًا وعسكريًا وشعبيًا.
وبعد فشلهم في استعادة الشمال، حاولوا فرض شخصيات وقوى شمالية على الجنوب لتتصدر المشهد باسم “الشرعية”، وكأن عدن تحولت إلى عاصمة بديلة لخسارتهم في صنعاء.
يريدون إدارة الجنوب، بينما هم عاجزون عن تحرير أرضهم أو العودة إلى بيوتهم.
ثم يخرج علينا العليمي اليوم ليتحدث عن “المظالم الجنوبية” وكأن المشكلة مجرد أخطاء قابلة للإصلاح داخل دولة قائمة!
أي وهم هذا؟
لا توجد دولة حقيقية.
ولا رئيس منتخب بإرادة شعبية.
ولا برلمان شرعي منتخب، بعد أن تجاوز عمره أكثر من عشرين عامًا دون انتخابات.
ولا مؤسسات سيادية موحدة.
ولا حتى وطن واحد بالمعنى السياسي والجغرافي الذي يتحدثون عنه.
ما يوجد اليوم هو واقع جديد فرضته الحرب والتضحيات والتغيرات على الأرض.
والجنوب لم يعد ينتظر اعتراف أحد بحقه، لأن الشعوب التي قدمت الدماء لعقود لا تعود إلى الوراء، ولا تقبل إعادة تدوير مشاريع سقطت وانتهت.
القضية الجنوبية ليست ملفًا حقوقيًا ولا أزمة عابرة، بل قضية شعب ووطن وهوية ودولة، وستظل كذلك حتى يستعيد شعب الجنوب دولته كاملة السيادة على أرضه.