حلّت الذكرى السادسة والثلاثون لإعلان الثاني والعشرين من مايو، لتؤكد مجدداً حجم الفجوة السياسية والوجدانية التي باتت تفصل الشارع الجنوبي عن هذا المشروع؛ إذ يرى الجنوبيون اليوم أن هذه المناسبة لم تعد سوى استدعاء لذكرى "مشروع ميت" شُيّع جثمانه ميدانياً وسياسياً منذ عقود، وتحديداً عقب حرب صيف عام 1994 التي حوّلت الشراكة السياسية إلى واقع مغاير اتسم بالإقصاء وتدمير مؤسسات الدولة في الجنوب، ليتجاوز الشعب هناك مرحلة المطالبة بإصلاح مسار الوحدة إلى الإيمان الكامل بإنهاء عهدها الذي يؤكدون أنه ولى دون رجعة.
وعلى مر السنوات الماضية، ركّدت القوى والهيئات السياسية والمدنية في الجنوب أدبياتها على أن صيغة الحكم المركزية والاندماجية التي أُقرت عام 1990 قد دُفنت عملياً تحت وطأة الأزمات المتلاحقة والحروب المستمرة، وأن محاولة إحياء هذا النموذج في ظل المعطيات الراهنة تعد نوعاً من الوهم السياسي؛ فالأجيال الناشئة في الجنوب صاغت هويتها وتطلعاتها بعيداً عن أدبيات مايو، مستندة إلى واقع جديد فرضته التضحيات الميدانية، ومؤكدة عبر فعالياتها المتواصلة أن العودة إلى مربع نقطة الصفر أو القبول بإعادة إنتاج صيغ وحدوية قديمة هو أمر مستحيل ومرفوض جملة وتفصيلاً.
ورغم التباينات الطبيعية وتعدد الرؤى التي قد تطرأ بين المكونات والشخصيات الجنوبية حول بعض الملفات الإدارية أو السياسية الداخلية، إلا أن قراءة المشهد العام تُظهر بوضوح إجماعاً غير مسبوق وثابتاً راسخاً يتجاوز كل الخلافات، وهو الرفض المطلق لعودة منظومة مايو أو القبول باستمرارها؛ هذا التلاحم الوجداني والسياسي يبرهن على أن القضية الجنوبية تمثل القاسم المشترك والأرضية الصلبة التي تلتقي عليها كافة التيارات، حيث يُجمع الجميع على أن تقرير المصير واستعادة الاستقرار البنيوي هو الهدف الأساسي الذي لا يقبل المساومة.
ويتزامن هذا الموقف الشعبي والسياسي الصارم في الجنوب مع تبدل واضح في نظرة المجتمع الدولي والإقليمي للملف اليمني؛ حيث بات المراقبون الدوليون يتعاملون مع الواقع المفروض على الأرض ببراغماتية تقر بصعوبة، بل واستحالة، قسر الشعوب على خيارات سياسية أثبتت التجربة فشلها وعدم قدرتها على الصمود.
ولم تعد الشعارات الرنانة كافية لتغطية التصدعات الهيكلية العميقة، بل أصبحت الحاجة ملحة لصياغة تفاهمات ومستقبل سياسي يستوعب تطلعات الشارع في الجنوب كشرط أساسي لضمان أي استقرار مستدام في المنطقة.
وفي المحصلة، يبعث الزخم الشعبي الرافض للمناسبة برمتها رسالة واضحة لكل الأطراف المحلية والإقليمية، مفادها أن الاستثمار في مشاريع الماضي هو رهان على سراب؛ فالجنوب اليوم، بمؤسساته الناشئة وقواه الحية وإرادته الشعبية، يتطلع نحو بناء مستقبل أمني واقتصادي مستقل يتجاوز إرث الصراعات التي خلفتها تجربة مايو، واضعاً نصب عينيه صياغة واقع جديد يحمي مكتسباته ويؤمن للأجيال القادمة حياة كريمة ومستقرة بعيداً عن تجارب الدمج القسري والأزمات المزمنة.