آخر تحديث :السبت - 23 مايو 2026 - 02:16 م

اخبار وتقارير


بين خطاب الوحدة وواقع الانقسام

السبت - 23 مايو 2026 - 01:48 م بتوقيت عدن

بين خطاب الوحدة وواقع الانقسام

المراقب الجنوبي

لم يعد من الممكن التعامل مع المشهد العام في بلادنا بذات النهج الذي كان يمارس في ظل النظام السابق والناتج عن الحرب المشؤومه والغزو الاول للجنوب في العام ١٩٩٤م، أو الاستمرار في تقديم شعارات عامة عن “الوحدة” بمعزل عن الوقائع التي فرضتها المقاومه الجنوبيه للغزو الثاني الذي قام به تحالف الحوثيين مع النظام السابق وبعد التحولات العميقة على الأرض التي شهدها الجنوب لاحقا. فالمشكلة اليوم لا تتعلق فقط بخلاف سياسي عابر، بل بانهيار فعلي لبنية الدولة المركزية منذ أكثر من عقد، وعجز القوى التي تصدّرت المشهد عن استعادة مؤسساتها أو فرض حضورها في العاصمة صنعاء وباقي مناطق الشمال.


إن الإصرار على مخاطبة الجنوبيين بخطاب يتجاهل ما تراكم من تحولات سياسية ومجتمعية، وما نتج عن سنوات الحرب من وقائع جديدة، لا يؤدي إلا إلى تعميق الازمه وتعقيد الحل. فالشعوب لا تُقنعها الشعارات المجردة، بل تراقب ما تحقق على الأرض، وتقيس صدقية الخطاب بمدى اتصاله بالواقع وقدرته على معالجة الأزمات الحقيقية.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن إعادة إنتاج أدوات وأساليب إدارة الدولة التي قادت البلاد إلى الانهيار لن تصنع حلولًا جديدة، بل ستُبقي اليمن عالقًا داخل الحلقة ذاتها من الأزمات والصراعات. كما أن محاولة إدارة التعقيدات الحالية بالعقلية التقليدية نفسها تعني تجاهل الأسباب التي أوصلت البلاد إلى هذا الوضع الكارثي سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.


وفي الجنوب تحديدًا، لم تعد القضية مجرد مطالب يمكن احتواؤها بخطابات إعلامية أو تفاهمات شكلية، كما ان أي مقاربة جادة للحوار يجب أن تنطلق من الاعتراف بالحقائق القائمة، لا من محاولة القفز عليها أو فرض نتائج مسبقة تتجاوز إرادة الجنوبيين وتطلعاتهم.

فالحوار الحقيقي لا يُبنى على لغة الغلبة أو محاولة إملاء التصورات السياسية من طرف واحد، لأن ذلك لا يفتح الطريق نحو التفاهم، بل يعيد إنتاج أسباب الانقسام ويزيد من حالة الاحتقان. كما أن الاستمرار في استخدام خطاب لا ينسجم مع الواقع القائم يعكس انفصالًا واضحًا بين بعض النخب السياسية وبين المتغيرات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.

ومن غير المنطقي كذلك الانشغال بتقديم سرديات انتصار سياسية بينما ما تزال العاصمة والشمال عموما خارج سلطة الدولة، وما تبقى من مؤسساتها يعاني من الضعف والتفكك. فالأولوية الوطنية الحقيقية ينبغي أن تتجه نحو استعادة مؤسسات الدولة ومعالجة أسباب الانهيار، بدل الانغماس في سجالات سياسية لا تقدم حلولًا عملية للأزمة القائمة.


إن الوصول إلى الاستقرار والسلام يتطلب التعامل مع الجنوب بوصفه شريكًا أساسيًا في أي تسوية قادمة، واحترام إرادة أبنائه والتعامل مع قضيته بواقعية ومسؤولية، بعيدًا عن محاولات الوصاية أو العودة إلى الأساليب التي أثبتت فشلها. فبناء مستقبل آمن ومستقر لليمن والمنطقة لن يتحقق عبر تجاهل الحقائق، وإنما عبر الاعتراف بها والبحث عن معالجات عادلة ومستدامة لها.