آخر تحديث :الأربعاء - 03 يونيو 2026 - 01:27 م

اخبار وتقارير

(تحليل جيوسياسي اولي لمسارات الصراع 2026–2028)
البحر الأحمر في عصر ما بعد الاتفاق: معادلة "تكلفة التصعيد" بين إيران والولايات المتحدة

الأربعاء - 03 يونيو 2026 - 12:51 م بتوقيت عدن

البحر الأحمر في عصر ما بعد الاتفاق: معادلة "تكلفة التصعيد" بين إيران والولايات المتحدة

إعداد : أ.د.عبدالوهاب العوج

مقدمة


ليس سرًا أن أي إدارة أمريكية تحاكي نهج "الضغط الأقصى" – وخصوصًا إدارة دونالد ترامب – تواجه أزمة ثقة هيكلية مع إيران، فتجربة الانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) عام 2018 تحولت إلى ذاكرة جمعية في طهران مفادها: "أي اتفاق مع هذا الفريق السياسي هو مجرد فترة هدنة، لا أكثر". هذا الافتراض ينطبق حتى لو تم توقيع اتفاق نووي جديد، لأن الثقة ليست في النص بل في الضامن.


هذه الخلفية تفسر سلوك إيران وأذرعها الإقليمية، خاصة في اليمن والبحر الأحمر، حيث تتحول المعادلة من "ماذا نربح من التفاوض؟" إلى "كيف نحمي أنفسنا في غياب أي ضمانات أمريكية؟". المقال يحلل السياق الجيوسياسي للبحر الأحمر (2026–2028) بشكل اولي عبر ثلاثة محاور: منطق الردع عبر الوكلاء، تطور الحصار البحري غير المعلن، ومعادلة تكلفة التصعيد.


أولاً: السياق الأوسع – من الاتفاق إلى "حرب الظلال الموسعة"


1.1 إيران: استراتيجية "المظلة المتعددة"


بعد انهيار الثقة بأي تعهدات أمريكية مستقبلية، تبنت إيران استراتيجية تقوم على تنويع أدوات الردع عبر برنامج صاروخي متطور، وطائرات مسيرة من الجيل الرابع، وشبكة وكلاء في دول عربية (لبنان، العراق، اليمن)، ونفوذ بحري في البحر الأحمر عبر الحوثيين، كما تعتمد على فصل الساحات، إذ لا تريد حربًا شاملة مع واشنطن، لكنها ترفع كلفة أي ضغط أمريكي عبر ساحات متعددة (البحر الأحمر، الخليج العربي، لبنان، العراق) بهدف إرباك صناع القرار الأمريكي بإدارة أزمات متزامنة. أما على الصعيد الدبلوماسي، فإيران مستعدة للتفاوض لكنها لا تعلق آمالها على نتائجه، إذ تعتبره أداة لكسب الوقت وليس حلاً جذريًا.


1.2 الولايات المتحدة: من "الضغط الأقصى" إلى "الحصار غير المعلن"


إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الثانية تدرك أن استراتيجية الضغط الأقصى وحدها لم تكسر إيران سابقًا، فتتجه نحو عسكرة الخليج العربي و مضيق هرمز و البحر الأحمر بصورة غير مسبوقة عبر زيادة الوجود البحري الأمريكي والدولي، وإنشاء نظام مراقبة دائم مشترك مع إسرائيل والناتو، كما تركز على استهداف شبكات الإمداد بدلاً من الدولة، أي ضرب "الحلقة الأضعف" المتمثلة في طرق التهريب إلى الحوثيين عبر الصومال وجيبوتي وسلطنة عُمان، إلى جانب ذلك، تُطبَّق عقوبات "ذكية" تشدد الخناق على الوسطاء والشركات الوهمية التي تمول الوكلاء، مع إبقاء قنوات إنسانية مفتوحة لتجنب أزمة إنسانية كبرى في اليمن.


1.3 الحوثيون: من أداة محلية إلى فاعل إقليمي


بعد سنوات من الدعم الإيراني، طور الحوثيون قدرات هندسية عكسية مكنتهم من ادعاء إنتاج نسخ محلية من المسيرات والصواريخ الإيرانية رغم الشكوك شبه المؤكدة من استحالة ذلك من الناحية التقنية، ويدعون انهم اكتسبوا خبرة عملياتية في إدارة معارك بحرية معقدة كما حدث في حرب غزة وارسال بعض الصواريخ و المسيرات او استهداف السفن التجارية وناقلات النفط في البحر الأحمر وخليج عدن خلال 2023–2025. كما حاولو تصوير انهم طوروا أجندة خاصة تتجاوز الأجندة الإيرانية أحيانًا، مثل السعي للسيطرة النارية بالمسيرات و الصواريخ والقوارب المفخخة وغيرها على البحر الأحمر و مضيق باب المندب كورقة ضغط شبه مستقلة. هذا الاستقلال الشكلي و النسبي يجعل البحر الأحمر ومضيق باب المندب ساحة لا يمكن لأي طرف السيطرة عليها بالكامل.


1.4 الفاعلون الإقليميون المحوريون


السعودية توازن بين دعم الحصار البحري خوفًا من هجمات انتقامية على أراضيها، وبين تجنب التورط في حرب إقليمية. موقفها سيكون حاسماً في نجاح أو فشل أي حصار أمريكي.


مصر تمتلك سيطرتها على قناة السويس ما يجعلها طرفًا رئيسيًا، فأي اضطراب في باب المندب يؤثر مباشرة على إيرادات القناة (نحو 8-10 مليارات دولار سنويًا)، مما قد يدفعها للتعاون البحري المكثف مع واشنطن.


الإمارات لها مصالح في موانئ جنوب اليمن (بئر علي، المكلا) وسياساتها مختلفة عن السعودية، وقد تستثمر أي فوضى بحرية لتعزيز نفوذها.


الصين تملك قاعدة في جيبوتي ومصالح تجارية ضخمة تمر عبر باب المندب. أي حصار أمريكي سيواجه بضغط دبلوماسي صيني هائل، وقد ترد بكين بتعزيز وجودها البحري لحماية سفنها.


---


ثانياً: البحر الأحمر كساحة معركة – الممرات ونقاط الاشتباك


2.1 الممرات الحيوية


يمثل ممر باب المندب - السويس نحو 12% من التجارة البحرية العالمية، وهو الأعلى خطورة حيث يتركز التهديد الحوثي بالصواريخ والزوارق المفخخة. أما ممر خليج عدن - موانئ الصومال فهو طريق إمداد حيوي للقرن الأفريقي، ويتعرض لتهديد متوسط إلى مرتفع من شبكات التهريب الإيرانية. في المقابل، يعد الممر السعودي - المصري لناقلات النفط من الخليج إلى أوروبا الأقل خطورة نسبيًا بفضل الحماية الجوية والبحرية، رغم بقائه ضمن نطاق التهديد بالمسيرات بعيدة المدى.


2.2 نقاط الاشتباك المحتملة


مضيق باب المندب هو أعلى نقاط الاشتباك، والسيناريو الأرجح فيه هو هجوم دوري بزورق مفخخ أو مسيرة على سفينة شحن أمريكية أو إسرائيلية، يتبعه قصف أمريكي جوي لمواقع إطلاق في الحديدة أو ميدي، مما يؤدي إلى تصعيد محكوم دون حرب شاملة لكن مع اضطراب مزمن في الملاحة.


السواحل الصومالية تمثل منطقة رمادية، حيث السيناريو الأرجح هو اعتراض قوات أمريكية لسفينة إيرانية محملة بمسيرات متجهة إلى اليمن، يتبعه اشتباك بحري محدود. ترد إيران عادة بالإنكار ثم هجوم انتقامي عبر زورق آخر بعد أسبوعين، مما يُبقي على "حرب الظلال" دون إعلان رسمي.


ميناء الحديدة يعد نقطة ضغط استراتيجية، والسيناريو الأقل احتمالاً لكنه الأخطر هو محاولة أمريكية لفرض حصار بحري فعلي على الميناء (بالتنسيق مع السعودية). في هذه الحالة، يرد الحوثيون باستهداف ناقلة نفط سعودية في البحر الأحمر وتفعيل ألغام بحرية، مما يؤدي إلى أزمة إنسانية كبرى في اليمن (حيث يدخل 70% من المساعدات عبر الحديدة) وضغط دولي على واشنطن لرفع الحصار.


---


ثالثاً: معادلة "تكلفة التصعيد" – من يربح؟


3.1 قراءة التكاليف لكل طرف


بالنسبة للولايات المتحدة، تظل تكلفة التصعيد المنخفض (الهجمات المتقطعة) مقبولة رغم الخسائر الاقتصادية المحدودة وارتفاع أقساط التأمين، بينما تصل التكلفة إلى مستويات مرتفعة جدًا في حال التصعيد المرتفع (حصار أو حرب محدودة) بسبب احتمالية خسائر في السفن الحربية وصدام محتمل مع الصين إن تأثرت تجارتها.


أما إيران، فتكلفة التصعيد المنخفض منخفضة جدًا لأنها تُدار عبر الوكلاء دون خسائر بشرية مباشرة، لكن التصعيد المرتفع يحملها تكلفة متوسطة إلى مرتفعة تتمثل في خطر توسع الحرب إليها وخسائر في نفوذها الإقليمي.


وبالنسبة للحوثيين، فإن التصعيد المنخفض يكلفهم القليل بل يكسبهم شرعية داخلية كورقة قوة، بينما التصعيد المرتفع يعرضهم لقصف بنيتهم التحتية وخطر فقدان السيطرة على ميناء الحديدة.


3.2 من يملك "الورقة الرابحة"؟


الولايات المتحدة تملك قدرة على زيادة الكلفة على إيران والحوثيين بشكل كبير عبر حصار غير معلن يشمل تفتيش السفن وتعطيل الإمدادات، واستهداف شبكات التمويل بعقوبات ثانوية تطال أي شركة تتعامل مع الحوثيين، ودعم قوات محلية كمرتزقة سودانيين أو صوماليين لمحاربة الحوثيين بالوكالة.


لكن إيران تملك قدرة على جعل البحر الأحمر غير صالح للملاحة التجارية إذا وصل التصعيد إلى ذروته، وذلك عبر تفعيل ألغام بحرية في باب المندب تحتاج شهورًا لتطهيرها، وتنفيذ هجمات متزامنة على ناقلات النفط في الخليج والبحر الأحمر تعطل نحو 20% من الإمداد العالمي.


أما الصين فتملك قدرة على تعطيل الحصار الأمريكي دبلوماسيًا وعسكريًا عبر قاعدتها في جيبوتي، مما يحد من الخيارات الأمريكية ويغير معادلة التكاليف لصالح طهران في أي مواجهة طويلة الأمد.


النتيجة الحاسمة أن لا أحد قادر على "إيقاف" الطرف الآخر بالكامل، والبحر الأحمر سيكون ساحة استنزاف متبادل، والرابح الحقيقي هو من يتحمل خسائره الاقتصادية والسياسية لفترة أطول.


---


رابعاً: السيناريو الأكثر ترجيحاً (2026–2028)


4.1 نموذج العمل المتوقع


يسود نموذج "الهجمات الدورية المضبوطة" حيث ينفذ الحوثيون استهدافًا كل أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع لسفينة تجارية مرتبطة بالغرب، يتبعه قصف أمريكي مضاد. ويستمر التوتر البحري الدائم دون حرب شاملة، مع زيادة الدوريات الأمريكية لكن دون تجاوز عتبة استهداف الحديدة مباشرة لتجنب أزمة إنسانية. كما تستمر قنوات التفاوض بالوكالة عبر عُمان لضبط قواعد الاشتباك، مثل عدم استهداف السفن الحربية الأمريكية وعدم وقف الإمدادات الإنسانية لليمن.


4.2 استثناء واحد قد يغير القواعد


إذا استهدفت إيران أو الحوثيون سفينة حربية أمريكية بشكل مباشر (حتى عن طريق الخطأ)، فإن الإدارة الأمريكية ستكون مجبرة على رد نوعي – ربما استهداف مواقع إيرانية في الخليج أو قادة حوثيين بضربات دقيقة. هذا السيناريو احتماله منخفض لأن لا أحد يريده، لكنه يظل خطرًا قائمًا في بيئة مليئة بأخطاء التقدير.


4.3 سيناريو بديل: فشل الحصار الأمريكي


إذا نجحت إيران في استمرار التهريب رغم الحصار، وضغطت الصين دبلوماسيًا ضد التفتيش البحري، فقد تتراجع واشنطن إلى نمط "إدارة الأضرار" بدل "فرض الإرادة"، مما يعزز النموذج الإيراني للردع عبر الوكلاء ويجعل البحر الأحمر ساحة اختبار دائمة لنظرية تكلفة التصعيد التي لا تحسم لصالح طرف واحد.


---


الخلاصة النهائية


ما يجري في البحر الأحمر ليس مجرد صراع على ممرات ملاحة، بل تجسيد مادي لفقدان الثقة بين واشنطن وطهران. كل هجوم واعتراض وحصار غير معلن يؤكد أن الإيرانيين لا يصدقون أي تعهدات أمريكية، والأمريكيون لا يرون جدوى من اتفاق لا يمكن التحقق منه. في هذا الفراغ الدبلوماسي، تصبح العمليات العسكرية المحدودة هي اللغة المشتركة، ومعادلة "تكلفة التصعيد" هي القاعدة الذهبية التي ستحكم الجميع.


لكن الإضافة الحاسمة أن الصين والسعودية ومصر ليسوا مجرد متفرجين، بل فاعلين يمكنهم تغيير موازين التكاليف بشكل كبير. فالصين تملك أدوات ضغط دبلوماسية وعسكرية تحد من الخيارات الأمريكية، والسعودية تحدد نجاح الحصار بموقفها، ومصر ترتبط مصالحها الحيوية باستقرار الممرات. وهذه العقدة الإقليمية تجعل أي حل أحادي الجانب مستحيلاً.


النقطة الأكثر إيلاماً أنه حتى لو استقر الاتفاق النووي الجديد بحلول 2028، فإن جروح الثقة في المنطقة ستلتئم ببطء شديد، والبحر الأحمر تحول إلى ساحة اختبار دائمة لنظرية الردع قبل الدبلوماسية.


اعداد:

أ.د.عبدالوهاب العوج


أكاديمي ومحلل سياسي يمني – جامعة تعز