آخر تحديث :الأربعاء - 10 يونيو 2026 - 03:24 م

قضايا


عدادات الشحن المسبق.. هل تنقذ كهرباء عدن أم تنقذ إيرادات المؤسسة فقط؟

الأربعاء - 10 يونيو 2026 - 03:02 م بتوقيت عدن

عدادات الشحن المسبق.. هل تنقذ كهرباء عدن أم تنقذ إيرادات المؤسسة فقط؟

عدن تايم / تقرير / علي محمد سيقلي

في خضم الأزمة الخانقة التي تعيشها مدينة عدن بسبب الانقطاعات المتكررة للكهرباء، وما يرافقها من معاناة يومية تتضاعف مع ارتفاع درجات الحرارة، عاد إلى الواجهة مجدداً الحديث عن مشروع العدادات مسبقة الدفع أو ما يُعرف شعبياً بـ"كروت الكهرباء"، باعتباره أحد الحلول التي تراهن عليها الجهات المختصة لتحسين أداء قطاع الكهرباء وتعزيز موارده المالية.

غير أن هذا الطرح يثير تساؤلات واسعة في الشارع: هل تمثل عدادات الشحن المسبق حلاً حقيقياً لأزمة الكهرباء؟ أم أنها مجرد وسيلة جديدة لتحسين التحصيل المالي دون معالجة الأسباب الجوهرية للانهيار المستمر في الخدمة؟


ما هي الكهرباء بنظام كروت الشحن؟


يقوم نظام الكهرباء مسبقة الدفع على فكرة بسيطة تشبه إلى حد كبير نظام شحن رصيد الهاتف المحمول. فبدلاً من استهلاك الكهرباء أولاً ثم سداد الفاتورة لاحقاً، يقوم المشترك بشراء رصيد مسبق يُخزن داخل عداد إلكتروني ذكي، ويبدأ العداد باحتساب قيمة الاستهلاك وخصمها بشكل تلقائي حتى نفاد الرصيد.

وعندما يقترب الرصيد من الانتهاء يصدر العداد تنبيهات للمشترك، بينما يتوقف التيار الكهربائي تلقائياً عند نفاد الرصيد بالكامل إلى أن تتم إعادة الشحن.

ويعتمد هذا النظام على عدادات إلكترونية متطورة يمكن إدارتها ومراقبتها رقمياً، بما يتيح دقة أكبر في احتساب الاستهلاك وتقليل الأخطاء البشرية التي ترافق أنظمة الفوترة التقليدية.

لماذا تتجه الحكومات إلى هذا النظام؟

خلال السنوات الأخيرة اتجهت العديد من الدول النامية إلى تبني أنظمة الدفع المسبق للكهرباء بعد أن واجهت مؤسسات الكهرباء فيها أزمات مالية متفاقمة نتيجة ضعف التحصيل وتراكم الديون وارتفاع نسب الفاقد.

وتنظر الحكومات إلى هذه العدادات باعتبارها أداة إدارية ومالية فعالة تحقق عدة أهداف في آن واحد، أبرزها ضمان تحصيل قيمة الاستهلاك مقدماً، وتقليل حجم المديونيات المتراكمة، والحد من التلاعب بالفواتير، وخفض تكاليف القراءة والتحصيل اليدوي، فضلاً عن تحسين التدفقات النقدية للمؤسسات المشغلة.

كما تساهم العدادات الذكية في كشف كثير من حالات الاعتداء على الشبكة أو سرقة التيار الكهربائي التي تمثل أحد أبرز أسباب الخسائر المالية في قطاع الكهرباء.

ماذا يستفيد المواطن؟

من الناحية النظرية، يمنح النظام المشترك قدرة أكبر على مراقبة استهلاكه والتحكم في نفقاته الشهرية.

فالمواطن يستطيع معرفة الرصيد المتبقي لديه بشكل مستمر، كما يمكنه متابعة حجم استهلاكه اليومي أو الأسبوعي، الأمر الذي يساعد على ترشيد الاستخدام وتجنب الفواتير المرتفعة أو المفاجئة.

كما يتيح النظام قدراً أكبر من الشفافية في احتساب الاستهلاك مقارنة بالطرق التقليدية التي كثيراً ما كانت محل شكاوى واعتراضات من المواطنين.


تجارب عربية ناجحة


شهدت عدة دول عربية توسعاً ملحوظاً في استخدام العدادات مسبقة الدفع، وفي مقدمتها مصر والسودان.

ففي مصر تم تركيب ملايين العدادات الذكية ومسبقة الدفع خلال السنوات الأخيرة ضمن خطة شاملة لتطوير قطاع الكهرباء، وقد ساهم ذلك في رفع كفاءة التحصيل وتقليص حجم الفاقد المالي والفني.

أما السودان فقد كان من أوائل الدول العربية التي اعتمدت هذا النظام على نطاق واسع، خصوصاً في المدن الكبرى، وأصبح جزءاً أساسياً من منظومة التحصيل لدى شركات الكهرباء هناك.

لكن اللافت في التجربتين أن نجاح النظام في تحسين الإيرادات لم يكن كافياً وحده لضمان استقرار الخدمة الكهربائية، إذ بقيت قضايا الإنتاج والتوليد والبنية التحتية عوامل حاسمة في جودة الخدمة واستمراريتها.

هل يناسب هذا النظام واقع اليمن؟

من الناحية الفنية والإدارية تبدو اليمن من أكثر الدول التي يمكن أن تستفيد من نظام الدفع المسبق.

فقطاع الكهرباء يواجه منذ سنوات تحديات مزمنة تتمثل في ضعف التحصيل، وتراكم المديونيات، وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق للتحصيل الدوري، إضافة إلى الاعتداءات المتكررة على الشبكة الكهربائية.

وفي ظل هذه الظروف يمكن للعدادات مسبقة الدفع أن تسهم في تقليص جزء كبير من النزيف المالي الذي تعاني منه المؤسسة العامة للكهرباء، وأن توفر مورداً مالياً أكثر استقراراً يساعد في تغطية جزء من تكاليف التشغيل والصيانة.

ولهذا السبب بدأت الجهات المعنية منذ سنوات في تطبيق المشروع بصورة محدودة في بعض المناطق، ضمن توجه أوسع لتحديث أنظمة التحصيل وإدارة المشتركين.

لكن... هل ستحل أزمة كهرباء عدن؟

هنا تكمن النقطة الأكثر أهمية.

فالخلط بين تحسين التحصيل المالي وحل أزمة الكهرباء يمثل أحد أكثر المفاهيم الخاطئة انتشاراً لدى الرأي العام.

فالعداد الذكي لا ينتج كهرباء، ولا يوفر وقوداً للمحطات، ولا يضيف ميجاواتاً جديدة إلى الشبكة.

وإذا كانت المحطات تعاني من نقص الوقود، أو أن القدرة التوليدية المتاحة أقل من حجم الطلب المتزايد، فإن الانقطاعات ستستمر بغض النظر عن نوع العداد المستخدم.

بمعنى آخر، يستطيع نظام الكروت أن يضمن تحصيل قيمة الكهرباء الموجودة، لكنه لا يستطيع توفير كهرباء غير موجودة أساساً.

ولعل أفضل تشبيه لذلك هو خزان مياه يعاني من نقص حاد في الإمدادات؛ فمهما تحسنت آليات تحصيل الرسوم من المستهلكين، فإن كمية المياه داخل الخزان ستبقى محدودة ما لم يتم توفير مصادر جديدة للتغذية.


مخاوف مشروعة لدى المواطنين


ورغم المزايا التي يقدمها النظام، إلا أن تطبيقه يثير عدداً من المخاوف لدى المواطنين، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

فالكثير من الأسر محدودة الدخل قد تجد نفسها عاجزة عن الدفع المسبق بشكل دائم، بينما كان النظام التقليدي يمنحها هامشاً زمنياً قبل السداد.

كما يخشى المواطنون من انقطاع الكهرباء فور نفاد الرصيد في أوقات متأخرة أو في حال عدم توفر نقاط شحن قريبة.

وتبرز كذلك تساؤلات تتعلق بمدى جاهزية البنية التقنية المطلوبة لإنجاح المشروع، بما في ذلك أنظمة الاتصالات والدفع الإلكتروني وخدمات الصيانة والدعم الفني.

ما الذي تحتاجه عدن فعلاً؟

لا شك أن تحسين التحصيل المالي يمثل خطوة ضرورية لإنقاذ قطاع الكهرباء، لكنه ليس سوى جزء من معادلة أكبر وأكثر تعقيداً.

فأزمة الكهرباء في عدن تتطلب معالجة متزامنة لثلاثة ملفات رئيسية:

أولاً: ضمان تحصيل الإيرادات وتقليل الفاقد من خلال العدادات الذكية وأنظمة الإدارة الحديثة.

ثانياً: زيادة القدرة التوليدية وتوفير الوقود بصورة مستدامة للمحطات القائمة وإنشاء مشاريع توليد جديدة.

ثالثاً: تحديث شبكات النقل والتوزيع المتهالكة وتقليل الفاقد الفني الذي يلتهم جزءاً مهماً من الطاقة المنتجة.


الخلاصة

تمثل عدادات الشحن المسبق أداة مهمة لتحسين إدارة قطاع الكهرباء وتعزيز موارده المالية، وقد أثبتت التجارب نجاحها في رفع كفاءة التحصيل وتقليل الهدر المالي.

لكن تحويلها إلى حل سحري لأزمة الكهرباء في عدن سيكون رهاناً خاطئاً، لأن جذور الأزمة أعمق من مجرد مشكلة تحصيل.

فالعداد الذكي قد ينقذ إيرادات المؤسسة من التآكل، لكنه لن ينقذ المواطنين من الانطفاءات ما لم يترافق ذلك مع إصلاحات حقيقية في التوليد وتوفير الوقود وتطوير البنية التحتية.

وعليه، فإن نجاح مشروع كروت الكهرباء ينبغي أن يُقاس ليس بحجم الأموال التي يجمعها فقط، بل بمدى انعكاس تلك الإيرادات على تحسين الخدمة وزيادة ساعات التشغيل، لأن المواطن في نهاية المطاف لا يبحث عن عداد أكثر ذكاءً، بل عن كهرباء أكثر استقراراً.


علي سيقلي