آخر تحديث :السبت - 13 يونيو 2026 - 10:27 م

كتابات


حماية المتظاهرين واجب الدولة.. والجرائم ضد المدنيين لا تسقط بالتقادم

السبت - 13 يونيو 2026 - 09:21 م بتوقيت عدن

حماية المتظاهرين واجب الدولة.. والجرائم ضد المدنيين لا تسقط بالتقادم

كتب /العقيد - محسن ناجي مسعد.

شهدت فرنسا عام 2005 اضطرابات واسعة عُرفت بـ "اضطرابات ضواحي باريس"، واستمرت قرابة ثلاثة أسابيع، وأسفرت عن خسائر مادية ضخمة قُدرت بمئات الملايين من الدولارات، إضافة إلى إحراق وإتلاف آلاف السيارات وتدمير مئات المحال التجارية والممتلكات العامة والخاصة.

ورغم حجم العنف الذي رافق تلك الأحداث، فإن السلطات الفرنسية تعاملت معها وفق معايير دولة القانون، حيث التزمت قوات الأمن بضبط النفس ولم تلجأ إلى استخدام الأسلحة النارية ضد المحتجين، بل اقتصر دورها على حماية الأرواح والممتلكات العامة والخاصة، انطلاقاً من مبدأ أن الحفاظ على حياة الإنسان يظل أولوية تتقدم على كل اعتبار آخر.

وقد سجلت تلك الأحداث إصابة عدد من أفراد الشرطة، بينما اقتصرت الخسائر البشرية بين المدنيين على حالات محدودة، كان اثنان منها نتيجة حادث عرضي أثناء محاولة الهروب من قوات الأمن، الأمر الذي يعكس الفارق بين استخدام القوة في إطار القانون وبين تحويلها إلى وسيلة لقمع المواطنين وإسكات أصواتهم.


إن استحضار هذه التجربة لا يهدف إلى المقارنة المجردة، وإنما إلى إبراز الكيفية التي تتعامل بها الدول المتحضرة مع الاحتجاجات الشعبية والمظاهرات الجماهيرية، حيث تكون مهمة الأجهزة الأمنية حماية المتظاهرين أنفسهم، وصون حقهم في التعبير السلمي، ومنع أي أعمال تخريب قد ترافق الاحتجاجات، دون اللجوء إلى الرصاص الحي أو القوة المميتة.

وفي المقابل، تعيش المحافظات الجنوبية منذ سنوات طويلة أوضاعاً اقتصادية وخدمية ومعيشية بالغة الصعوبة، نتيجة تدهور الخدمات الأساسية، والانقطاعات المتكررة للكهرباء والمياه، وتعثر صرف الرواتب، والانهيار المستمر للعملة الوطنية، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، الأمر الذي دفع الآلاف من المواطنين إلى الخروج في مسيرات واحتجاجات للمطالبة بحقوقهم المشروعة وتحسين أوضاعهم المعيشية.

ومن المبادئ المستقرة في القانون الدولي لحقوق الإنسان أن حق التظاهر السلمي والتعبير عن الرأي من الحقوق المكفولة بموجب المواثيق والمعاهدات الدولية، وأن واجب الدولة يتمثل في حماية المواطنين وضمان سلامتهم، لا في تعريضهم للخطر أو استخدام القوة المفرطة بحقهم.


لقد شهد الجنوب، خلال العقود الماضية، سقوط أعداد كبيرة من الضحايا في أحداث ومواجهات مختلفة، كما تعرض كثير من المواطنين للاعتقال والملاحقة والانتهاكات التي تركت آثاراً عميقة في المجتمع الجنوبي. ومن هنا، فإن تحقيق العدالة وإنصاف الضحايا وأسرهم يمثلان ضرورة أخلاقية وقانونية لا يمكن تجاوزها.


وفي هذا السياق، فإن أي جرائم قتل جماعي أو جرائم إبادة أو جرائم ضد الإنسانية، متى ما ثبت وقوعها وفقاً للقانون والأدلة القضائية المعتمدة، تعد من الجرائم الخطيرة التي لا تسقط بالتقادم، ويظل مرتكبوها عرضة للمساءلة أمام القضاء الوطني أو أمام الآليات القضائية الدولية المختصة، وفقاً لما تقرره قواعد القانون الدولي ومبادئ العدالة الجنائية الدولية.


إن بناء مستقبل مستقر وآمن لا يمكن أن يتحقق من خلال الإفلات من العقاب، بل عبر إرساء مبادئ العدالة والمحاسبة وسيادة القانون، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، وصون كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية.


فالشعوب لا تطالب بالمستحيل، وإنما تطالب بحقوقها المشروعة في الحياة الكريمة، والخدمات الأساسية، والعدالة، والحرية، وهي حقوق كفلتها الشرائع السماوية، وأكدتها الدساتير الوطنية، وأقرتها المواثيق والمعاهدات الدولية.


ويبقى احترام حياة الإنسان وحماية حقه في التعبير السلمي، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في الانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين، حجر الأساس لأي دولة تسعى إلى بناء مجتمع يسوده الأمن والاستقرار والعدالة. غير أن تحقيق هذه الغايات يظل مرهوناً بوجود إصلاحات حقيقية تعالج الاختلالات البنيوية التي تراكمت على مدى عقود، وتنهي نهج إدارة الأزمات الذي أثبت فشله في إخراج البلاد من دوامة الأزمات الاقتصادية والخدمية والسياسية المتلاحقة التي أنهكت البلاد والعباد وحولت حياتهم إلى جحيم حقيقي .. فالدول لا تُبنى بسياسات إنتاج الأزمات، وإنما بإرادة جادة تضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار، وتفتح الطريق أمام حلول حقيقية تكفل للبلاد استعادة عافيتها، وللشعب حقه في العيش الكريم في ظل دولة القانون والمؤسسات.