أعلنت مليشيات “التعبئة العامة”، التابعة لجماعة الحوثي الارهابية في اليمن، جاهزيتها الكاملة والفورية لتنفيذ توجيهات سيد الكهف عبدالملك الحوثي، “لإسناد قواتهم العسكرية بالمقاتلين في أي زمان ومكان”، لمواجهة قوات التحالف العربي والمحافظات الجنوب وأدعت استعدادها لإنهاء الحصار المفروض عليها منذ أكثر من 11 عاماً.
وقالت قوات التعبئة في بيان لها، إنها جاهزة لرفد الجبهات بالمقاتلين، مشيرة إلى أن قواتها استنفرت مئات الآلاف ممن تم تدريبهم خلال الفترة الماضية، ومئات الألوية العسكرية - حد قول البيان-
وأضافت: “لا يزال التدريب والتشكيل سارياً وسيكون في الفترة المقبلة أكثر نشاطاً وأعلى جاهزية وبكل المستويات التدريبية والقتالية مع التنسيق والربط بين قيادة قوات التعبئة والقوات المسلحة على كل المستويات العسكرية”.
جدير بالذكر أن مليشيا الحوثيين قد شكلت مسبقا قوات التعبئة المكونة من مدنيين تم تدريبهم في دورات مكثفة على القتل والجرائم والمواجهات العسكرية والتعبئة الدينية
*طبول الحرب تقرع ومخطط مريب*
في تطور عسكري مفاجئ يعيد قرع طبول الحرب في البلاد، أعلنت جماعة الحوثي صباح اليوم عن إطلاق "نداء للتعبئة العامة" في مناطق سيطرتها.
وجاء هذا الإعلان المباغت ليثير موجة عارمة من المخاوف والتوجس في المحافظات الجنوبية، خاصة وأنه يأتي في توقيت حساس تشهد فيه الجبهة الجنوبية تعقيدات داخلية بالغة الخطورة، وسط غياب تام لأي إجراءات رسمية لرفع الجاهزية القتالية حتى اللحظة.
وعلى خلاف العادة في مواجهة مثل هذه التهديدات، رصدت مصادر عدم صدور أي توجيهات رسمية برفع درجة الاستعداد أو إعلان الطوارئ العسكرية على طول خطوط التماس، مما ضاعف من قلق الشارع الجنوبي والمراقبين على حد سواء الذين باتوا ينظرون بريبة إلى طبيعة هذا الصمت والركود الميداني.
ويرى محللون عسكريون أن توقيت الإعلان الحوثي يحمل دلالات هامة ترتبط بمحاولة الجماعة الهروب من الأزمات الاقتصادية الخانقة والاحتقان الشعبي المتزايد في مناطق سيطرتها عبر افتعال مناخ حرب جديد، أو استثمار الإعلان كأداة ضغط سياسي لتحسين شروط التفاوض مع الأطراف الإقليمية والدولية.
وفي المقابل، لا يستبعد الخبراء أن تكون هذه التعبئة خطوة عملية لجس نبض الدفاعات الجنوبية، مستغلة حالة الإنهاك التي تمر بها القوات المسلحة الجنوبية نتيجة الأزمات المتلاحقة والمفتعلة التي تضرب المؤسسة العسكرية والأمنية في الجنوب منذ فترة طويلة.
وما يثير الريبة والمخاوف بشكل حقيقي في الأوساط الجنوبية ليس مجرد التهديد الحوثي الخارجي، بل ما يُوصف بأنه مخطط ممنهج وجهود مريبة لتقويض المنظومة العسكرية الجنوبية وتفكيكها من الداخل وتدمير مكتسباتها.
ويتجلى ذلك بوضوح في استمرار الانقطاع الطويل لمرتبات منتسبي القوات المسلحة الجنوبية والأمن لعدة أشهر متتالية، مما تسبب في أزمة معيشية خانقة للمقاتلين وعائلاتهم، وسط اتهامات لجهات نافذة بتعمد استخدام لقمة العيش كأداة لكسر إرادة المقاتلين وإضعاف معنوياتهم في مواجهة الخصم.
وتتزامن حرب المرتبات هذه مع فرض قيود صارمة وغير مبررة على إمدادات الغذاء والوقود والذخيرة الموجهة للجبهات والخطوط الأمامية، بالإضافة إلى منع وصول السلاح والعتاد النوعي لتحديث هذه القوات وتطوير قدراتها الدفاعية والهجومية.
ويضع هذا الحصار اللوجستي المطبق المقاتلين في موقف دفاعي مكشوف أمام ترسانة الحوثيين المستمرة في التدفق، ويثير تساؤلات حادة في الشارع الجنوبي حول الجهات المستفيدة من تجفيف منابع القوة العسكرية الجنوبية وعزلها عن أبسط مقومات الصمود والدفاع، أما جبهات الضالع ويافع فتقاتل الحوثي يومياً دون أي إسناد يناسب حجم الحرب من الشرعية والتحالف العربي .
وتكتمل فصول هذه الضغوط برصد مساعٍ حثيثة من أطراف عدة لإعادة هيكلة وتفكيك الوحدات العسكرية الجنوبية الضاربة وتذويبها تحت مسميات تنظيمية مختلفة.
ويرى قادة عسكريون ميدانيون في هذه التحركات محاولة مبطنة لتشتيت قيادات القوات الجنوبية، وإفراغ جبهات المواجهة من عناصر القوة الصلبة التي حققت الانتصارات السابقة وضمنت الاستقرار.
ويضع هذا المشهد المعقد المحافظات الجنوبية أمام تحدٍّ مصيري، حيث تواجه القوات الجنوبية حرباً صامتة تستهدف قوتها، وغذاءها، وسلاحها، في ذات الوقت الذي يقرع فيه الخصم طبول الحرب بالتعبئة العامة.
*سيناريو 2015 يُعاد:*
تتطابق خطوط التاريخ اليمني المعاصر بشكل يثير الريبة، لتعيد للأذهان مشهد الحشود العسكرية التي سبقت تفجير الحرب الأهلية قبل ما يزيد عن عقد من الزمن.
ومع إعلان جماعة الحوثي مساء الأثنين عن "نداء التعبئة العامة"، قفزت الذاكرة السياسية والعسكرية في الجنوب فوراً إلى شتاء عام 2015، حيث تكشف المقارنة التاريخية الموثقة بالتواريخ والأرقام أن الجماعة تلجأ إلى ذات "البروتوكول العسكري" عند التخطيط لمنعطفات مصيرية، وسط مخاوف من تكرار السيناريو، ولكن بظروف داخلية أشد تعقيداً للجانب الجنوبي.
*من مارس 2015 إلى يونيو 2026*
عند العودة إلى جذور الاجتياح الحوثي للجنوب، يظهر التاريخ أن الجماعة لم تدخل عدن إلا بعد غطاء سياسي وعسكري رسمي سُمي آنذاك "التعبئة العامة".
في 21 مارس 2015، أعلنت اللجنة الثورية العليا التابعة للحوثيين في صنعاء حالة "التعبئة العامة" لمواجهة ما وصفته بالعناصر الإرهابية في الجنوب، وكان هذا الإعلان بمثابة الضوء الأخضر والغطاء الديني والسياسي لتحرك الآليات العسكرية ضخمة الصنع ومئات الآلاف من المقاتلين صوب المحافظات الجنوبية.
وبالفعل، قادت هذه التعبئة إلى اقتحام عدن في أواخر مارس 2015، وهي المغامرة العسكرية التي انتهت بهزيمة تاريخية وثقيلة للجماعة في 14 يوليو 2015 (الموافق 27 رمضان)، حينما انطلقت عملية "السهم الذهبي" بدعم من التحالف العربي، وتمكنت المقاومة الجنوبية من تحرير عدن بالكامل خلال أيام، محملة بخسائر بشرية ومادية فادحة في صفوف الجماعة شكلت نقطة الانكسار الأكبر في مشروعها الفارسي التوسعي.
وفي عام 2015، تحرك الحوثيون مستندين إلى مخازن معسكرات الحرس الجمهوري والدولة اليمنية السابقة، واليوم، يعودون لإعلان التعبئة بعد سنوات من إعادة الهيكلة وتطوير منظومات الطيران المسير والصواريخ، مستغلين مناخ "اللا حرب واللا سلم" لتكديس السلاح، والهروب من الالتزامات الاقتصادية الداخلية تجاه المواطنين في مناطق سيطرتهم تحت لافتة "النفير العام". وفي مارس 2015، أحدث إعلان التعبئة الحوثية صدمة دفعت الجنوبيين لترتيب صفوفهم شعبياً وعسكرياً بشكل عاجل رغم قلة الإمكانيات،
*جبهة الجنوب بين الأمس واليوم*
وتكمن الخطورة الحقيقية في مشهد اليوم مقارنة بعام 2015، في أن القوات المسلحة الجنوبية التي دحرت الحوثيين وهزمتهم شر هزيمة في الماضي، تواجه حالياً حرباً موازية وصامتة تستهدف بنيتها التحتية وقدرتها على الصمود، وهو ما يختلف كلياً عن فترة الدعم اللوجستي المفتوح إبان معركة التحرير:
ففي الوقت الذي يحشد فيه الحوثي بشرياً وعسكرياً، تعاني الجبهة الجنوبية من انقطاع ممنهج لمرتبات المقاتلين لعدة أشهر متتالية، مما يهدد الاستقرار المعيشي لعائلات المرابطين في الثغور، ولا تتوقف المعوقات عند المال، بل تمتد إلى فرض قيود مشددة طالت مخصصات الغذاء، والوقود، والذخائر، ناهيك عن منع تزويد هذه القوات بالسلاح النوعي والحديث الكفيل بإحداث توازن ردع مع ترسانة صنعاء.
ويجمع خبراء عسكريون على أن هذه الإجراءات المتمثلة في قطع الرواتب وتجفيف الدعم اللوجستي، بالتزامن مع مساعٍ وأطروحات مستمرة لتفكيك الوحدات الجنوبية الضاربة تحت غطاء "إعادة الهيكلة والدمج المرتجل"، تمثل طعنة في خاصرة القوات التي أثبتت تاريخياً أنها القوة الوحيدة القادرة على كسر الغرور العسكري الحوثي.
إن ربط خيوط التاريخ يشير بوضوح إلى أن الحوثي لا يعلن التعبئة عبثاً، وأن الجبهة الجنوبية المستهدفة بالتفكيك والحصار من الداخل، باتت اليوم أمام تحدٍّ وجودي يتطلب الاستيقاظ من حالة الركود الحالية قبل فوات الأوان.