آخر تحديث :الجمعة - 26 يونيو 2026 - 10:14 م

اخبار وتقارير


قراءة بعد أحد عشر عاماً من القتال : مشهد شديد الخطورة

الجمعة - 26 يونيو 2026 - 09:19 م بتوقيت عدن

قراءة بعد أحد عشر عاماً من القتال : مشهد شديد الخطورة

قراءة د.عبدالله عبدالصمد

انتصار الحوثي وفشل التحالف وانفجار الصراعات المؤجلة


الحرب في اليمن في عامها الحادي عشر، تبدو الصورة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: الطرف الوحيد الذي استطاع الصمود وتعزيز نفوذه في شمال اليمن هو جماعة الحوثي. فبعد سنوات طويلة من العمليات العسكرية والتحالفات الإقليمية والدعم الدولي السياسي والعسكري، لم ينجح التحالف العربي في تحقيق الهدف الذي أُعلن من أجله عند انطلاق الحرب، وهو إنهاء سيطرة الحوثيين واستعادة الدولة اليمنية. بل إن النتيجة جاءت معاكسة تماماً؛ إذ تحول الحوثي من قوة محلية متمردة إلى لاعب إقليمي قادر على تهديد دول الجوار واستهداف خطوط الملاحة الدولية وفرض نفسه رقماً صعباً في معادلات المنطقة.


في المقابل، شهد الجنوب مساراً مختلفاً. فقد خرجت معظم أراضيه من سيطرة الحوثيين، فيما تمكنت القوات المناهضة للحوثي من استعادة أجزاء محدودة من محافظتي مأرب وتعز وبعض المديريات الشمالية، دون تحقيق اختراق استراتيجي يغير موازين الحرب. وعلى الأرض الجنوبية، تراجعت الجماعات الإرهابية بصورة كبيرة نتيجة العمليات الأمنية والعسكرية التي قادتها القوات الجنوبية، ما منح الجنوب حالة من الاستقرار النسبي مقارنة بالفوضى التي تعيشها مناطق أخرى.


لكن المفارقة الكبرى أن الصراع لم يعد يدور حول مواجهة الحوثي بقدر ما تحول إلى صراع على الجنوب نفسه. فالتحالف العربي الذي بدأ موحداً انتهى عملياً، ولم يبق منه سوى السعودية باعتبارها اللاعب الرئيسي والأوحد في الملف اليمني. أما الإمارات، التي كانت شريكاً أساسياً في المراحل الأولى للحرب، فقد خرجت من المشهد اليمني تاركة فراغاً سياسياً وعسكرياً أعاد رسم موازين القوى داخل المناطق المحررة.


ومع تعثر المواجهة مع الحوثيين، انتقلت بوصلة الصراع تدريجياً نحو الجنوب. فبدلاً من تركيز الجهود على استعادة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي، أصبحت الخلافات مع القوى الجنوبية تتصدر المشهد. وتصاعدت حالة الاحتقان بعد الإجراءات والضغوط التي استهدفت المجلس الانتقالي الجنوبي، وصولاً إلى محاولات تقليص نفوذه السياسي والعسكري، في وقت يرى فيه الجنوبيين أن قضيتهم الوطنية يتم التعامل معها كملف أمني وليس كقضية سياسية مرتبطة بمستقبل الجنوب وهويته.


ومن منظور جنوبي واسع فالحرب صراعاً بين مشروعين سياسيين يمثلان شمالاً وجنوباً لكل منهما تطلعاته وحساباته الخاصة. ولذلك فإن المطالب الجنوبية باستعادة الدولة الجنوبية السابقة لم تتراجع رغم تغير التحالفات والظروف الإقليمية، بل ازدادت حضوراً مع استمرار حالة الانسداد السياسي.


وفي الوقت الذي تتعثر فيه الجبهات العسكرية، تكشف التطورات السياسية عن واقع أكثر تعقيداً. فالسعودية، التي فشلت في تحقيق حسم عسكري ضد الحوثيين، اتجهت خلال السنوات الأخيرة نحو مسارات تفاهم واتصالات غير معلنة بشكل كامل مع الجماعة، في ظل غياب واضح للقوى الجنوبية وحتى القوى المنضوية تحت ما يسمى بالشرعية عن كثير من هذه التفاهمات. وهو ما عزز شعوراً متنامياً لدى أطراف عديدة بأن المستقبل يجري التفاوض حوله خلف الأبواب المغلقة دون مشاركة فعلية لجميع الأطراف المؤثرة على الأرض.


واليوم تهيمن الرياض بصورة شبه كاملة على المشهدين العسكري والسياسي في الجنوب ، غير أن هذه الهيمنة لم تنتج استقراراً دائماً، بل فتحت الباب أمام توترات جديدة ورفض شعبي متزايد، خاصة مع القرارات والتغييرات العسكرية الأخيرة التي ينظر إليها قطاع واسع من الشارع الجنوبي باعتبارها استهدافاً للقيادات والقوى الوطنية الجنوبية.


وتبرز مخاوف إضافية من محاولات إعادة تشكيل طبيعة الصراع ليأخذ بعداً مذهبياً أكثر وضوحاً بين الحوثيين الشيعة في الشمال والقوى السنية في الجنوب. فالتغييرات التي تشهدها بعض المؤسسات العسكرية والأمنية، واستبدال بعض القيادات الوطنية بقيادات ذات طابع ديني، تثير تساؤلات عميقة حول الاتجاه الذي يُدفع إليه الجنوب ومستقبل هويته السياسية والعسكرية. وإذا ما ترسخ هذا المسار، فإن الوضع قد يجد نفسه أمام نسخة جديدة من الصراعات المذهبية


أما المجتمع الدولي، فيبدو أكثر انشغالاً بإدارة الأزمة من حلها. فالمبعوثون الأمميون تعاقبوا واحداً تلو الآخر دون تحقيق اختراق حقيقي، فيما تراجعت فرص التسوية السياسية الشاملة إلى مستويات غير مسبوقة. وأصبحت الجهود الدولية تركز على منع الانفجار الكامل أكثر من السعي لإنهاء أسباب الحرب وجذورها.


بعد أحد عشر عاماً من القتال، تقف أمام مشهد شديد الخطورة: الحوثي أكثر قوة مما كان عليه عند بداية الحرب، والشرعية أكثر ضعفاً وتفككاً، والتحالف العربي انتهى فعلياً كمشروع موحد، والجنوب يعيش حالة مواجهة سياسية متصاعدة مع القوى التي يفترض أنها حليفة له، فيما تتراكم الصراعات المؤجلة تحت سطح هادئ ظاهرياً وقابل للانفجار في أي لحظة. إنها حرب لم تنتهِ، لكنها أيضاً لم تعد الحرب نفسها التي بدأت عام 2015. لقد تغير كل شيء تقريباً، باستثناء حقيقة واحدة فقط: الجميع ما زال يدفع ثمن الفشل السياسي والعسكري الإقليمي والدولي، بينما تتجه الأوضاع نحو مرحلة جديدة أكثر تعقيداً وغموضاً من كل ما سبقها.

د . عبدالله عبدالصمد