أكاديمي ومحلل سياسي يمني - جامعة تعز
أولاً: هل التفاهمات الأولية بين واشنطن وطهران ستلقي بظلالها على الملف اليمني؟ فواقع القضية اليمنية في ظل التسويات الإقليمية لم يعد شأناً داخلياً محضاً، بل أصبحت إحدى أهم ساحات إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية، فكل تحول في مسار العلاقات الأمريكية-الإيرانية، أو في حسابات القوى الإقليمية، ينعكس مباشرة على مسار الحرب والسلام داخل اليمن. وفي ظل مؤشرات التهدئة بين واشنطن وطهران، وتراجع وتيرة المواجهة في البحر الأحمر مقارنة بذروة التصعيد التي شهدتها المنطقة مع استهداف السفن التجارية وناقلات النفط في البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب، مما هدد الملاحة الدولية وأمن الطاقة العالمي، تبرز تساؤلات جوهرية حول مستقبل الصراع اليمني، وحدود تأثير هذه التفاهمات على موازين القوى العسكرية والسياسية.
ففي الوقت الذي شهدت فيه السنوات الماضية جولات متعاقبة من المباحثات - بدءاً من مشاورات الكويت (2016) مروراً باتفاق ستوكهولم (2018) وصولاً إلى مساعي الأمم المتحدة اللاحقة - ظلت هذه المساعي عاجزة عن تجاوز عقبات جوهرية، فيما تحولت الساحة البحرية إلى بؤرة تصعيد جديدة مع استهداف الميليشيات الحوثية للسفن التجارية وناقلات النفط في البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب، مما هدد الملاحة الدولية وأعاد تعريف الأزمة اليمنية كتهديد للأمن العالمي، وليس مجرد صراع داخلي.
تكمن الإشكالية الأساسية في أن أي تسوية إقليمية لا تتضمن معالجة جذور الأزمة اليمنية قد تؤدي إلى تثبيت حالة "السلام الهش"، وهو سلام يوقف المعارك الكبرى دون أن ينهي أسباب الصراع، بما يمنح الأطراف المسلحة فرصة لإعادة التموضع استعداداً لجولات جديدة من المنافسة.
المحور الأول: "التهدئة المفخخة".. استراتيجية الحوثي بين إعادة التموضع وتعزيز النفوذ
تاريخياً، تعاملت جماعة الحوثي مع فترات التهدئة باعتبارها مراحل لإعادة ترتيب القدرات العسكرية والسياسية أكثر من كونها محطات انتقال نحو تسوية نهائية، لذلك فإن انخفاض مستوى العمليات العسكرية الغربية في البحر الأحمر لا يعني بالضرورة انتهاء التهديد، بل قد يوفر فرصة لإعادة توزيع الموارد والقدرات.
وتجربة اتفاق ستوكهولم (2018) خير شاهد على هذا النمط، حيث تحولت التهدئة في مدينة الحديدة إلى فرصة لتعزيز مواقع الجماعة الحوثية وإعادة تنظيم قواتها واستخدام مناطق سيطرتها على السواحل الغربية الى منصات تهديد للملاحة الدولية ولمشاريع الهيمنة، بدلاً من أن تكون خطوة نحو تسوية شاملة، واليوم، ومع تراجع وتيرة المواجهة البحرية - التي كانت قد بلغت ذروتها باستهداف ناقلات النفط والسفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب خلال العامين الماضيين ٢٠٢٤-٢٠٢٥، بما هدد الملاحة الدولية وأمن الطاقة - والتي قد تتكرر بذات الآلية، حيث يُعاد توجيه القدرات نحو الجبهات الداخلية تحت غطاء التهدئة.
لقد فرضت المواجهة البحرية خلال الأشهر الماضية على الجماعة استنزافاً ملحوظاً في منظومات الصواريخ والطائرات المسيّرة والقدرات اللوجستية. ومع تراجع الضغوط العسكرية الخارجية، يصبح من المرجح أن تتجه القيادة الحوثية إلى إعادة بناء مخزونها العسكري، وإعادة نشر قواتها داخل الجبهات البرية.
ويبرز هنا احتمال توجيه فائض القوة نحو الجبهات الداخلية، وفي مقدمتها مأرب وتعز والساحل الغربي، باعتبارها العقدتين العسكريتين الأكثر حساسية بالنسبة لموازين القوى. فمأرب تمثل آخر مركز اقتصادي وعسكري رئيسي للحكومة اليمنية في شمال البلاد، بينما تمثل تعز رمزاً سياسياً وميدانياً بالغ الأهمية لأي معادلة مستقبلية.
وعليه، فإن التهدئة البحرية قد تتحول إلى "تهدئة مفخخة" إذا لم تقترن بضمانات تمنع إعادة توظيف الموارد العسكرية في الصراع الداخلي، لأن وقف التصعيد الخارجي دون ضبط التوازنات الداخلية قد يغير فقط اتجاه استخدام القوة، لا طبيعتها.
المحور الثاني: مأزق الشرعية.. ضغوط التسوية وخطر التهميش
أغلقت السنوات الأخيرة إلى حد كبير نافذة الحسم العسكري الشامل، وأصبح المسار السياسي هو الخيار الأكثر تداولاً في الأوساط الدولية والإقليمية، غير أن هذا التحول يطرح معضلة أساسية أمام الحكومة اليمنية ومجلس القيادة الرئاسي، تتمثل في كيفية المشاركة في تسوية لا تؤدي إلى إضعاف شرعيتهما أو تحويلهما إلى طرف ثانوي في معادلة الحكم.
فمشاورات الكويت (2016) مثلت نموذجاً مبكراً لهذا المأزق، حيث تحطمت الآمال على صخرة رفض الأطراف تقديم تنازلات جوهرية، في غياب ضمانات تنفيذية ملزمة. كما أن استمرار استهداف ناقلات النفط في البحر الأحمر وخليج عدن - بتلك الآلية التي جمعت بين التهديد البحري وتعطيل المصادر الاقتصادية للدولة - جعل من الورقة النفطية أداة ضغط مزدوجة: على المجتمع الدولي من خلال تهديد الملاحة الدولية، وعلى الحكومة من خلال حرمانها من عائداتها الحيوية.
فالعديد من المبادرات المطروحة تستند إلى منطق "إدارة الصراع" أكثر من إنهائه، وهو ما قد يفضي إلى تكريس واقع السيطرة الميدانية بوصفه أساساً للحل السياسي، بدلاً من استعادة مؤسسات الدولة على كامل الأراضي اليمنية.
وتزداد خطورة هذا السيناريو إذا اقترن بضغوط دولية لإقرار خارطة طريق تمنح الأولوية لوقف إطلاق النار على حساب معالجة القضايا الجوهرية المرتبطة بالسلاح، واحتكار الدولة للقوة، وآليات تنفيذ الالتزامات الأمنية.
اقتصادياً، تبقى الورقة النفطية العامل الأكثر تأثيراً في مستقبل الشرعية، فاستمرار تعطيل صادرات النفط والغاز يحرم الحكومة من أهم مصادر الإيرادات، ويجعلها أكثر اعتماداً على الدعم الخارجي، ومن هنا فإن أي عملية سلام لا تتضمن ضمانات دولية لحماية المنشآت النفطية و الغازية في الضبة والنشيمة وبلحاف وغيرها و تأمين التصدير قد تؤدي إلى ترسيخ حالة "سلام الأمر الواقع"، حيث تتوقف الحرب بينما تستمر الأزمة الاقتصادية في تقويض مؤسسات الدولة.
إن استعادة القدرة على تصدير النفط ليست مجرد قضية اقتصادية، بل تمثل شرطاً لإعادة بناء مؤسسات الدولة، ودفع الرواتب، وتعزيز الاستقرار المالي، وتقليص الاعتماد على المساعدات الخارجية.
المحور الثالث: حدود "الريموت" الإيراني والبراغماتية الحوثية
غالباً ما يُختزل السلوك الحوثي في كونه امتداداً مباشراً للسياسة الإيرانية، إلا أن الواقع أكثر تعقيداً. فالعلاقة بين الطرفين تقوم على تقاطع المصالح أكثر من كونها علاقة تبعية مطلقة.
فالدعم الإيراني - الذي تجسد في تزويد الجماعة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والقدرات اللوجستية التي مكنتها من استهداف ناقلات النفط والسفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب - كان عاملاً حاسماً في تحويل الصراع اليمني إلى تهديد للملاحة الدولية وأمن الطاقة. غير أن هذا الدعم، رغم أهميته، لا يلغي حقيقة أن الجماعة طورت خلال سنوات الحرب بنية مؤسساتية وقدرات صناعية محلية تمنحها هامشاً من المناورة، كما ظهر في تعاملها مع جولات المباحثات السابقة (الكويت، ستوكهولم) حيث أظهرت قدرة على المناورة بما يتجاوز التوجيهات الإيرانية المباشرة.
تستفيد الجماعة من الدعم السياسي والعسكري والخبراتي القادم من إيران، لكنها في الوقت ذاته طورت خلال سنوات الحرب بنية مؤسساتية واقتصادية خاصة بها، تمنحها هامشاً من الاستقلال في اتخاذ القرار عندما يتعلق الأمر بالمصالح المحلية.
لذلك، حتى في حال توصلت طهران وواشنطن إلى تفاهمات تحد من التصعيد الإقليمي، لا يمكن استبعاد أن تلجأ الجماعة إلى افتعال أزمات داخلية أو تصعيد محدود في بعض الجبهات بهدف تعزيز أوراقها التفاوضية أو تحسين شروطها السياسية والاقتصادية، ومن زاوية أخرى، فإن أي تشديد على الرقابة البحرية قد يدفع الجماعة إلى تكثيف البحث عن مسارات بديلة للتهريب، بما في ذلك الاستفادة من تعقيدات البيئة الأمنية في القرن الإفريقي وبعض السواحل المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، وهو ما يجعل مكافحة شبكات التهريب تحدياً إقليمياً يتجاوز الساحة اليمنية وحدها.
المحور الرابع: الدور الإقليمي والضمانات المطلوبة
رغم التحولات التي شهدتها المنطقة، ما يزال الدور الإقليمي يمثل أحد أهم عناصر التأثير في مستقبل الأزمة اليمنية، فنجاح أي عملية سياسية يتطلب ألا تقتصر الضمانات على وقف العمليات العسكرية، بل تمتد إلى حماية المؤسسات الاقتصادية، وضمان تدفق الموارد، ومنع استخدام القوة لفرض وقائع جديدة.
وتبرز هنا أهمية التعلم من إخفاقات الآليات السابقة، مثل آلية ستوكهولم لإعادة الانتشار التي أثبتت محدودية فعاليتها في غياب آليات رقابية تنفيذية. فلا يمكن لتسوية مستقبلية أن تنجح ما لم تتضمن ضمانات ملموسة لحماية الملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب، ومنع استهداف السفن التجارية وناقلات النفط، وضمان عدم تحويل التهدئة الخارجية إلى فرصة لإعادة توجيه القدرات العسكرية نحو الجبهات الداخلية. كما يجب أن تمتد الضمانات لتشمل حماية المنشآت النفطية وضمان تدفق الإيرادات، لكسر الحلقة المفرغة التي تجمع بين التهديد البحري وتعطيل مؤسسات الدولة.
وتبرز هنا أهمية استمرار الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري الموجه لمجلس القيادة الرئاسي، بما يتيح له التفاوض من موقع متوازن، ويحول دون فرض تسويات تستند فقط إلى موازين القوة الميدانية.
أما على المستوى القانوني، فيظل قرار مجلس الأمن رقم 2216 أحد أهم المرجعيات الدولية المتعلقة بالأزمة اليمنية، غير أن التطورات السياسية والعسكرية خلال السنوات الماضية أوجدت نقاشاً واسعاً حول مدى قدرة القرار، بصيغته الحالية، على مواكبة الواقع الجديد. ومن المرجح أن تتجه الجهود الدولية مستقبلاً إلى البحث عن صيغ تنفيذية أو ترتيبات تفاوضية جديدة تحاول التوفيق بين المرجعيات القانونية القائمة وبين الوقائع الميدانية، وهو ما يجعل مستقبل القرار مرتبطاً بمدى توافق الأطراف الإقليمية والدولية على إطار سياسي شامل.
و مما سبق نخلص إلى أن التفاهمات الإقليمية تكشف أن اليمن لم يعد مجرد ملف مستقل، بل أصبح جزءاً من منظومة أوسع لإدارة التوازنات في الشرق الأوسط، غير أن تحويل التهدئة الإقليمية إلى سلام مستدام داخل اليمن يظل رهناً بمعالجة جذور الأزمة، وفي مقدمتها احتكار الدولة للسلاح و انهاء الانقلاب و ما ترتب عليه، واستعادة المؤسسات العسكرية والاقتصادية، وبناء ضمانات تنفيذية ملزمة لجميع الأطراف.
فلقد أثبتت جولات المباحثات المتعاقبة - من الكويت إلى ستوكهولم وما بعدهما - أن التسويات التي تكتفي بإدارة الصراع دون معالجة جذوره محكوم عليها بالإخفاق. فاستهداف السفن التجارية وناقلات النفط في البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب لم يكن مجرد حلقة عسكرية عابرة، بل كشف عن البعد الإقليمي والدولي المتشابك للأزمة، وعن قدرة الأطراف على تحويل أي تهدئة إلى فرصة لتعزيز المواقف.
إن أي تسوية تكتفي فقط بوقف إطلاق النار دون معالجة جذر المشكلة وما تبعها من اختلال موازين القوة ستؤدي، على الأرجح، إلى تجميد الصراع لا إنهائه، بما يترك الباب مفتوحاً أمام دورات جديدة من التصعيد، أما السلام الحقيقي، فيتطلب توافقاً يمنياً وإقليمياً ودولياً يوازن بين مقتضيات الاستقرار ومتطلبات بناء الدولة و معتمدا على القرارات الدوليةالصادرة تحت الفصل السابع واهمها القرار 2216 و مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، و الا سيتحول الاتفاق إلى مجرد تهدئة مؤقتة او إلى مجرد استراحة محارب بين جولات من الصراع.
ومن هنا، فإن أي تسوية مستقبلية يجب أن تستند إلى دروس الماضي، وتتضمن ضمانات تنفيذية ملزمة لمنع تحويل التهدئة إلى إعادة تموضع، على غرار ما حدث في اتفاق ستوكهولم، وآليات رقابية دولية وفعالة لحماية الملاحة الدولية وضمان عدم استهداف السفن التجارية وناقلات النفط، وجدول أعمال سياسي واضح يعالج قضايا السلاح ومؤسسات الدولة، متجاوزاً منطق إدارة الصراع إلى منطق بناء الدولة، وإلا، ستظل التهدئة الحالية مجرد استراحة بين جولات الصراع، وسيظل اليمن رهينة لدورات متكررة من الفشل التفاوضي والتصعيد المدمر.
أ.د. عبدالوهاب العوج
أكاديمي ومحلل سياسي يمني - جامعة تعز