آخر تحديث :الخميس - 13 أغسطس 2026 - 12:35 ص

كتابات واقلام


القضية الجنوبية بين ثبات المبدأ وحكمة السياسة

الأربعاء - 12 أغسطس 2026 - الساعة 11:45 م

د. علي صالح الخلاقي
بقلم: د. علي صالح الخلاقي - ارشيف الكاتب


القضايا الوطنية الكبرى لا تُصان بالعاطفة وحدها، ولا تنتصر بالصوت المرتفع، وإنما تحتاج إلى خطاب سياسي رصين يعرف متى يختلف، وكيف ينتقد، ومتى يفتح نوافذ الحوار، ويضع مصلحة الشعب والقضية فوق ردود الأفعال العابرة.

والقضية الجنوبية ليست وليدة حدث طارئ، ولا رهينة موقف سياسي عابر، حتى نخشى عليها من تقلبات الأيام. لقد وُجدت القضية، وتجذرت في وجدان شعبنا الجنوبي، وصمدت أمام الحروب والضغوط والمنعطفات، وستظل حية حتى استعادة دولتنا الجنوبية، بإرادة شعبنا وإصراره.

لكن ثبات القضية لا يعني أن ننظر إلى كل ما يحيط بنا بمنظار العاطفة، أو أن نحول كل خلاف سياسي إلى خصومة دائمة، أو أن نستعدي حلفاء الأمس فنجد أنفسنا، بسبب انفعال لحظي، في صف من يعاديهم ويعادينا. فهذه ليست سياسة تخدم قضية بحجم القضية الجنوبية، ولا تحفظ مصالح شعب دفع ثمناً باهظاً من الدم والتضحيات.

لقد أثبتت التجارب أن الدول لا تبني علاقاتها على العواطف، وإنما على المصالح والأمن والجغرافيا والتاريخ. ونحن في الجنوب جزء من منظومة إقليمية مترابطة، وأمننا لا ينفصل عن أمن أشقائنا في دول الجوار، ومصالحنا المشتركة مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج ليست أمراً هامشياً يمكن التضحية به تحت تأثير أي ظرف طارئ.

ومن هنا، فإن اختلافنا في موقف أو اعتراضنا على إجراء أو قرار لا ينبغي أن يدفعنا إلى تحويل الأشقاء إلى أعداء. نستطيع أن نقول بوضوح: نختلف، ونرفض، ونتمسك بحقوقنا ومطالبنا، لكننا لا نهدم الجسور التي قد نحتاج إليها اليوم وغداً.
فالمملكة العربية السعودية، وبقية دول الخليج، ليست مجرد أطراف سياسية عابرة في المشهد، بل هي دول جوار تربطنا بها اعتبارات الأمن القومي والمصالح المشتركة والجغرافيا والتاريخ. ولذلك فإن توجيه سهامنا إليها، مهما كانت مرارة الأحداث أو قسوة بعض المواقف، لن يخدم قضيتنا، ولن يصب في مصلحة شعبنا، بل قد يضعف موقفنا ويشتت أولوياتنا.

وفي المقابل، فإن الحفاظ على علاقاتنا مع الأشقاء لا يعني التفريط بالقضية، ولا القبول بإهدار دماء شهدائنا، ولا التراجع عن تطلعات شعب الجنوب. نحن نريد علاقات متوازنة تحفظ قضيتنا ولا تلغيها، وتحفظ مصالح أشقائنا ولا تجعلنا نتنازل عن حقوقنا.
علينا أن نفرّق بين الخصومة السياسية وبين العداء الدائم، وبين الاعتراض على موقف وبين قطع الطريق أمام المستقبل. فالسياسة ليست سجلاً لتصفية الحسابات، وإنما فن إدارة المصالح، وقراءة موازين القوى، وفتح الأبواب التي يمكن أن تقود في النهاية إلى ما يخدم شعبنا وقضيتنا.

أما عدونا الرئيسي المتمثل بالمليشيات الحوثية السلالية، الذي يهدد الجنوب ودول الجوار والمنطقة بأسرها، فلا ينبغي أن تجعلنا الخلافات البينية نغفل عنه أو ننشغل عنه بمعارك جانبية. فكل خلاف بين الأشقاء يُضعف الصف في مواجهة الخطر الأكبر، وكل شرخ في العلاقات الإقليمية قد يستفيد منه من يتربص بالجميع.
وهنا لا بد أن تكون بوصلتنا واضحة: لا تفريط بالقضية الجنوبية، ولا مساومة على دماء شهدائنا، ولا تنازل عن حق شعبنا في تقرير مستقبله، وفي الوقت نفسه لا قطيعة مع الأشقاء، ولا استعداء لدول الجوار، ولا اندفاع إلى معارك تخدم خصومنا أكثر مما تخدم قضيتنا.

نحن بحاجة إلى خطاب يطمئن الأشقاء ولا يستفزهم، ويطمئن شعبنا ولا يخذله؛ خطاب يقول إن للجنوب قضية ثابتة، وإن لشعبه حقوقاً لا تسقط بالتقادم، وإننا نبحث عن شراكات تحفظ مصالح الجميع، لا عن خصومات مفتوحة تستنزف الجميع.
لقد علمتنا السنوات الطويلة أن القضية التي تحملها إرادة شعب لا تسقط ببيان، ولا تنتصر بتغريدة، ولا تُدار بمنطق رد الفعل. الانتصار يحتاج إلى صبر، وإلى عقل سياسي ناضج، وإلى قدرة على المناورة، وإلى معرفة دقيقة بمصالح الآخرين، وإلى اختيار المعارك التي تخدم الهدف لا التي تشبع الغضب.
ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس أن نتساءل فقط: من أخطأ؟ ومن غدر بمن؟ ومن كان أكثر قسوة في موقفه؟ فهذه أسئلة سيحفظها التاريخ. أما سؤال القيادة الحقيقي فهو: كيف نحمي شعبنا؟ وكيف نحافظ على قضيتنا؟ وكيف نراكم القوة السياسية والإقليمية التي تقربنا من استعادة دولتنا؟

إن قضية الجنوب أكبر من الأشخاص، وأكبر من الحسابات الضيقة، وأكبر من أي خلاف عابر. والاختلاف في الرأي ليس خيانة، والنقد ليس عداء، والاجتهاد السياسي لا ينتقص من وطنية صاحبه. وما نحتاجه اليوم هو أن نتسع لبعضنا، وأن نختلف دون أن نتخوين، وأن ننتقد دون أن نهدم، وأن نتمسك بحقوقنا دون أن نحرق كل الجسور من حولنا.

فقد لا نختار دائماً كل ما نتمناه، لكننا نستطيع أن نختار ما يخدم قضيتنا بأقل كلفة وأكبر فائدة. وفي السياسة، كما في الحروب، ليست الحكمة أن تخوض كل المعارك، بل أن تعرف أي معركة تخدم هدفك، ومتى تتقدم، ومتى تناور، ومتى تترك باباً مفتوحاً للعودة.

ستظل القضية الجنوبية حية ما دام شعب الجنوب متمسكاً بها، وستبقى راية استعادة دولتنا مرفوعة. لكن الوصول إلى هذا الهدف يحتاج إلى عقل يحسن إدارة الخلاف، وقلب لا ينسى تضحيات الشهداء، وبصيرة تدرك أن المستقبل لا يُبنى بإحراق الجسور، وإنما بتوسيع دائرة الأصدقاء، وتحييد الخصوم ما أمكن، وتعزيز التحالفات، وحماية المصالح المشتركة.

هذه هي المعادلة التي ينبغي أن تحكم خطابنا: ثبات على المبدأ، ومرونة في الوسيلة، ووضوح في الهدف، وحكمة في إدارة العلاقات؛ فلا نفرّط بقضيتنا، ولا نخسر أشقاءنا، ولا ننسى عدونا الرئيسي، ولا نسمح للغضب أن يقود بوصلتنا.

د.علي صالح الخلاقي
12 أغسطس 2026م