آخر تحديث :السبت - 04 يوليو 2026 - 02:12 م

كتابات


الثباث يا رجال الثبات يا رجال .. حكمة جنوبية في مواجهة التحديات

السبت - 04 يوليو 2026 - 12:57 م بتوقيت عدن

الثباث يا رجال الثبات يا رجال .. حكمة جنوبية في مواجهة التحديات

البرفيسور توفيق جزوليت

ليست كل الحكم الشعبية مجرد كلمات تتردد على الألسن، بل إن بعضها يختزل تجربة شعب بأكمله. ومن بين هذه الحكم الجنوبية الخالدة، تأتي عبارة: “الثباث يا رجال… الثبات يا رجال.”


فهي تؤكد أن قيمة الرجال تُقاس بثباتهم على المواقف والمبادئ، لا بما يرتدونه أو بما يملكونه من مظاهر القوة والوجاهة. فالملابس قد تمنح صاحبها هيبة مؤقتة، لكن الثبات وحده هو الذي يمنح الإنسان احترام الناس ويخلده في صفحات التاريخ.


وتكتسب هذه الحكمة اليوم دلالة خاصة في ظل ما يواجهه المجلس الانتقالي الجنوبي من تحديات سياسية وأمنية و ديبلوماسية وإعلامية. فالمجلس يتحرك في بيئة شديدة التعقيد، تتقاطع فيها المصالح المحلية والإقليمية والدولية، وتتعرض فيها القضية الجنوبية لاختبارات مستمرة، سواء من خلال الضغوط السياسية، أو الحملات الإعلامية، أو محاولات إعادة تشكيل المشهد الجنوبي بوسائل مختلفة.


وفي مثل هذه الظروف، يصبح الثبات على المبادئ عاملاً مهمًا في الحفاظ على تماسك الموقف السياسي، لكنه لا يغني عن الحاجة إلى تطوير الأداء المؤسسي، وتعزيز الشفافية، وتوسيع دائرة الحوار مع مختلف المكونات الجنوبية، والارتقاء بالعمل الدبلوماسي والإعلامي بما يتناسب مع طبيعة المرحلة.


فالثبات الحقيقي يعني إن القيادة الناجحة هي التي تستطيع الجمع بين وضوح الهدف وحسن إدارة الوسائل، فتقرأ المتغيرات الإقليمية والدولية بعقلانية، وتستثمر الفرص دون أن تفقد بوصلتها.


كما أن هذه الحكمة توجه رسالة إلى القاعدة الشعبية الجنوبية، بأن الحفاظ على وحدة الصف، واحترام الاختلاف، وتقديم المصلحة العامة، يمثل جزءًا من الثبات الذي تحتاجه أي قضية سياسية تسعى إلى كسب التأييد الداخلي والخارجي. فالخلافات أمر طبيعي، لكن إدارتها ضمن الأطر المؤسسية هي ما يعزز قوة أي مشروع سياسي.


إن القضية الجنوبية لا تُقاس بما يُقال عنها في وسائل الإعلام، ولا بما تحققه من حضور آني، وإنما بقدرتها على بناء مؤسسات قوية، وإنتاج خطاب سياسي وقانوني متماسك، وتعزيز علاقاتها الإقليمية والدولية، وتقديم نفسها كشريك مسؤول وقادر على إدارة مستقبله.


ولهذا، فإن الحكمة الجنوبية “الثباث يا رجال… الثبات يا رجال” ليست مجرد مثل شعبي، بل هي دعوة دائمة إلى أن تكون الأولوية للمبدأ على المظهر، وللعمل على الإنجاز بدل الاكتفاء بالشعارات. فالمراحل المفصلية في تاريخ الشعوب لا تحتاج إلى رجال يبدون أقوياء أمام الكاميرات، بقدر ما تحتاج إلى رجال يثبتون أمام التحديات، ويملكون الشجاعة لمراجعة الأداء، وتصحيح الأخطاء، والبناء على النجاحات، لأن الثبات الحقيقي هو الثبات على الهدف مع التطوير المستمر في الوسائل.