آخر تحديث :الإثنين - 17 أغسطس 2026 - 10:55 م

كتابات واقلام


هدم المجتمع في زمن النفاق الإرجاف السياسي

الإثنين - 17 أغسطس 2026 - الساعة 10:16 م

د.صبري عفيف العلوي
بقلم: د.صبري عفيف العلوي - ارشيف الكاتب


في كل زمان ومكان يوجد من يهدد تماسك المجتمع، منافقون يُظهرون غير ما يبطنون، ومرجفون ينشرون الخوف والشائعات، وأصحاب قلوب مريضة يستغلون الأزمات لإضعاف الناس وتمزيق وحدتهم. يصف الله هذه الحقيقية في كل زمان ومكان بقوله:
﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ الأحزاب: 60
وتجسد الآية أخطر وسائل هدم للمجتمع التي تبدأ بالكلمة والإشاعة وإفساد الثقة بين الناس. فهدم المجتمع لا يبدأ دائما من خارجه، بل قد يبدأ من داخله؛ فالمنافقون الذين إذا أُعطوا رضوا، وإذا حرموا سخطوا وأفسدوا، والمرجفون الذين ينشرون الشائعات والأكاذيب يزلزلون الثقة ويقوضون تماسك المجتمع، ولا يجد الإرجاف طريقه إلا إلى من ضعفت ثقته، واضطرب وعيه، ومرض قلبه. وهكذا تتكامل حلقات الهدم: منافق يؤجج، ومرجف يشيع، وقلب مريض يصدق؛ فيتحول الكذب من كلمة إلى فتنة، ومن فتنة إلى انقسام، ومن الانقسام إلى هدمٍ لبناء المجتمع.
إذا أسقطنا المعنى العام لهذه الآية على واقعنا المعاصر، فإن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس الاختلاف في الرأي، وإنما تحويل الاختلاف إلى أداة للهدم. فالمنافق هو الذي تتبدل مواقفه بتبدل مصلحته؛ يرضى حين يُعطى، ويسخط حين يُحرم، وقد يتحول من التأييد إلى التحريض، ومن الصمت إلى التشويه، لمجرد أن مصالحه لم تعد منسجمة مع الواقع الجديد. أما المرجفون فهم الذين يجعلون من الشائعة وسيلة سياسية، ومن المعلومة الناقصة حقيقة مكتملة، ومن الخوف وقودًا للصراع؛ فينشرون الأخبار الكاذبة والتفسيرات المضللة حتى تهتز ثقة الناس ببعضهم وبمؤسساتهم وبمستقبلهم.
وهنا تكمن المشكلة الأعمق: حين يتحول التدخل الخارجي إلى مادة للإرجاف الداخلي. فبدل أن يناقش الجنوبيون الوقائع بعقل سياسي هادئ، قد تتحول بعض المنابر ووسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحات لتبادل الاتهامات، وتخوين الخصوم، ونشر الأخبار غير الموثقة، وتصوير كل موقف على أنه خيانة أو انتصار مطلق. وفي مثل هذه البيئة يصبح «المرجف» أكثر خطورة من صاحب الموقف السياسي المختلف؛ لأن السياسي يمكن مناقشة مشروعه، أما المرجف فيعمل على إفساد المجال الذي يمكن أن تجري فيه المناقشة أصلًا.
والأخطر أن الإرجاف لا ينجح بذاته؛ بل يحتاج إلى بيئة نفسية واجتماعية قابلة للتصديق. وهنا يأتي دور ضعف الثقة و«مرض القلب» بالمعنى القرآني والأخلاقي: حين يفقد الإنسان القدرة على التحقق، ويصبح مستعدًا لتصديق ما يوافق غضبه ومخاوفه، فإن الشائعة تتحول في ذهنه إلى حقيقة، والحقيقة المخالفة إلى مؤامرة. ومن هنا تبدأ عملية الهدم: مصلحة شخصية تولّد نفاقًا، والنفاق يغذي الإرجاف، والإرجاف يستغل ضعف الثقة، ثم يتحول الخوف إلى انقسام اجتماعي وسياسي.
ولذلك فإن الدرس المعاصر من الآية ليس اتهام فئة بعينها بالنفاق أو المرض، وإنما التحذير من سلوكيات يمكن أن تظهر في أي مجتمع وفي أي طرف: أن يصبح الولاء مرتبطًا بالمصلحة، وأن تصبح الشائعة بديلًا عن المعلومة، وأن يتحول الخلاف السياسي إلى تخوين، وأن يُستغل القلق الشعبي لتفكيك الثقة بين أبناء المجتمع الواحد.
وفي الجنوب تحديدًا، حيث تتداخل قضية شعب الجنوب مع مصالح إقليمية ودولية متعددة، فإن حماية المجتمع تبدأ من امتلاك وعي سياسي مستقل يسأل دائمًا ما مصلحة الجنوب؟ من يتحدث باسمه؟ ما الضمانات؟ ما الذي سيحصل عليه الناس؟ وما الذي ينبغي رفضه؟ فالوعي هو الحاجز الأول أمام المرجفين، والشفافية هي العدو الأول للشائعة، والوحدة الاجتماعية الواعية هي أقوى حصانة في مواجهة محاولات تفكيك المجتمع.
فالمجتمع لا يهدمه اختلاف أبنائه، وإنما يهدمه أن يفقد أبناؤه القدرة على التمييز بين الاختلاف والإرجاف، وبين النقد والتحريض، وبين المعلومة والشائعة، وبين المصلحة الوطنية والمصلحة الشخصية.