آخر تحديث :الثلاثاء - 07 يوليو 2026 - 08:15 م

اخبار وتقارير


صوت الجنوب في مليونية 7 يوليو: رسالة شعبية لتصحيح المسار وإنهاء الوصاية

الثلاثاء - 07 يوليو 2026 - 06:55 م بتوقيت عدن

صوت الجنوب في مليونية 7 يوليو: رسالة شعبية لتصحيح المسار وإنهاء الوصاية

عدن تايم / د. أمين العلياني

في لحظةٍ فارقةٍ من تاريخ الأمم، حيث تختلط أصوات ملايين الشعب بعبق التراب المرويِّ بدماء الشهداء، وحيث تتعالى الحناجر لتُسمع الدنيا بأسرها أن ثمّة شعبًا يرفض أن يُسلب إرادته أو يُصادر حقّه في تقرير مصيره، خرجت الملايين من أبناء الجنوب العربيِّ في مشهدٍ مهيبٍ تتقاطر فيه الجموع كالسيل الجارف، لترسم بمسيرها لوحةً من أروع لوحات النضال السلميِّ، وليُسطّر التاريخ بمدادٍ من نورٍ فصولًا جديدةً من ملحمةٍ جنوبيّةٍ خالدة، عنوانها الأبرز أنّ الشعب حين يتكلّم فإنّ صوته يكون كالرعد القاصف، يزلزل عروش المتغطرسين، ويُسقط أوهام الوصاية وهيمنة الاحتلال، ويُعيد رسم خارطة التحالفات وفق معادلات الاحترام المتبادل والنِّدّية والسيادة الكاملة غير المنقوصة.


لقد خرجت هذه الحشود المليونيّة مساء هذا اليوم التي اكتظّت بها حواضر الجنوب وفي مقدّمتها العاصمة عدن الباسلة، وحضرموت الأبيّة، وسائر ربوع الجنوب العربيِّ، لتحمل رسالةً مدوّيةً إلى كلِّ ذي عقلٍ وأذنٍ واعية، رسالةً مفادها أنّ الوصاية يجب أن لا تتورط بمصير الشعب، وأنّ الاحتلال اليمنيَّ يجب أن يرحل عن ترابه، وأنّ عهد التعامل مع الجنوب كهامشٍ أو تابعٍ أو رهينةٍ بيد هذا الطرف أو ذاك قد انقضى وأصبح في ذمّة التاريخ، وأنّ الشعب الذي صنع أعظم التضحيات وقدّم أغلى القوافل من الشهداء الأبرار والجرحى والمعتقلين والمفقودين، لهو اليوم أعزّ ما يكون شأنًا، وأرفع ما يكون مقامًا، وأقدر ما يكون على قول كلمة الفصل في تقرير مستقبله، ورسم معالم دولته، واختيار قيادته التي ارتضاها بإرادةٍ حرّةٍ خالصةٍ لا تشوبها شائبة، ولا تعتريها مداخلةٌ من قريبٍ أو بعيد.


وإنّ المتأمّل في دلالات هذه الحشود المليونيّة غير المسبوقة، وفي توقيت خروجها البالغ الحساسيّة والتعقيد، ليدرك بما لا يدع مجالًا للشكّ أنّ ثمّة وعيًا جمعيًّا عميقًا قد تبلور في وجدان هذا الشعب، وعيًا يستند إلى تراكمٍ من النضال والصبر والمعاناة الممتدة عبر ثلاثة عقودٍ من الزمن، منذ أن أُجهض حلم الشراكة المتكافئة، وسُفكت الدماء البريئة في صيف عام 1994 المشؤوم، حين تحوّل ما كان يُفترض أن يكون وحدةً بين دولتين جارتين إلى احتلالٍ عسكريٍّ غاشم، وإلحاقٍ قسريٍّ، وإقصاءٍ ممنهج لكلِّ مكوّنات الشعب الجنوبيِّ من المشهد السياسيِّ والاقتصاديِّ والعسكريِّ، لتتكرّر المأساة في عام 2015 بحربٍ شعواء أرادت أن تُخضع الجنوب مرّةً أخرى تحت مطرقة الهيمنة والإذلال والاحتلال اليمنيِّ، غير أنّ إرادة الله ثمّ بسالة المقاومة الجنوبيّة وقوّات الجنوب وأمنه ودعم من التحالف العربي قد حالت دون ذلك، وسالت الدماء الزكيّة أنهارًا في سبيل الدفاع عن الأرض والعرض والهويّة، فكان أن سقط الآلاف من خيرة الشباب الجنوبيِّ شهداءً على مذبح الحرّية، تاركين خلفهم إرثًا من العزّة والكرامة لا يبلى على مرِّ العصور.


وفي خضمِّ هذا المخاض العسير، برز المجلس الانتقاليُّ الجنوبيُّ ككيانٍ سياسيٍّ معبِّرٍ عن تطلّعات شعب الجنوب قاطبة، وحاملٍ لراية النضال السلميِّ والسياسي والمقاومة الجنوبية تقوده قامةٌ وطنيّةٌ من طرازٍ رفيع، تمتلك من الحنكة والحكمة والشجاعة ما أهلّها لتقود سفينة الجنوب في بحرٍ متلاطم الأمواج، إنّه الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُّبيديُّ، الذي اختاره الشعب طواعيةً واقتداءً لا إكراهًا ولا تبعيّة، ليكون الصوت الصادح بالحقّ، والمدافع الصلب عن الثوابت الوطنيّة، والمفاوض العنيد الذي لا يلين في استعادة الحقوق السياديّة كاملةً غير منقوصة.


غير أنّ ثمّة من لم يقرأ التاريخ جيّدًا، أو تغافل عن قراءته، فتعامل مع كيان الشعب السياسي ومشروعه التحرري وهذه القيادة الشرعيّة المفوضة بإرادةٍ شعبيّةٍ حرّة، التي تعامل معها الراعي في التحالف العربي تعامل المهيمن مع التابع، والمتغطرس مع المستضعف، وبدلًا من أن يكون التحالف العربيُّ شريكًا داعمًا لإرادة التحرير والاستقلال، تحوّل إلى عبءٍ إضافيٍّ، ووصايةٍ مركّبةٍ أشدَّ وطأةً وإيلامًا، وكأنّما أراد لهذا الشعب الجريح أن يظلّ أسيرًا بين مطرقة الاحتلال اليمنيِّ وسندان الوصاية الإقليميّة، في معادلةٍ عبثيّةٍ لا يمكن أن تصمد طويلًا أمام زخم التضحيات الجسام، وجبروت الحقّ، وعنفوان الإرادة الشعبيّة التي لا تُقهر.


وإنّ ما جرى في هذه الليلة التاريخيّة من خروجٍ مليونيٍّ مهيب، ليحمل في طيّاته رسائل بالغة الدلالة والوضوح، أولّاها أنّ الشعب الجنوبيَّ قد بلغ من الرشد السياسيِّ والنضج الثوريِّ مبلغًا لا يمكن معه القفز على إرادته أو تجاهل مطالبه أو مصادرة حقّه في تقرير مصيره بيده، وثانيتها أنّ التعامل مع المجلس الانتقاليِّ الجنوبيِّ بوصفه كيانًا معبِّرًا عن إرادة هذا الشعب لم يعد خيارًا يمكن القبول به أو رفضه، بل أصبح ضرورةً وجوديّةً وفريضةً سياسيّةً يفرضها الواقع الجديد الذي صنعته تضحيات الشهداء وبطولات المقاومين وصمود الصامدين في وجه الأعاصير، وثالثتها أنّ الشعب قد أوصل رسالته مدوّيةً بأنّ صبره قد بدأ ينفد، وأنّ كأس معاناته قد طفحت، وأنّ خياراته أصبحت مفتوحةً على مصراعيها، فهو الذي اختار السلم طريقًا، والحوار نهجًا، والتعايش مبدأً، لكنّه في الوقت ذاته لن يقف مكتوف الأيدي إزاء من يحاول أن يفرض عليه إرادةً لا يريدها، أو يصادر حقًّا من حقوقه التي ضحّى في سبيلها بدماء أبنائه وفلذات أكباده.


وإنّ من يمعن النظر في خطاب هذه المليونيّة التصعيديّة، ويلتمس روحها النضاليّة، ليدرك أنّ الشعب الجنوبيَّ يخاطب الشقيقة راعية التحالف العربي تحديدًا بلهجةٍ تجمع بين الصراحة المرّة والصدق المؤلم، وتنطلق من الحرص على علاقات الجوار والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، فهي رسالةٌ عنوانها العريض: كفى عبثًا باستراتيجيّةٍ ثبت فشلها وعجزها، وكفى إصرارًا على سياسة الاحتواء وشراء الولاء، وأثبتت الأيّام والوقائع أنّها لم تجلب للمنطقة إلّا الويلات والثبور، وكفى تجاهلًا لإرادة شعبٍ اختار من السلميّة نهجًا حضاريًّا في التعبير عن حقّه في استعادة دولته، ولم يكن هذا إلّا من إيمانه بعدالة قضيّته، فلقد آن الأوان أن تراجع راعية التحالف العربي حساباتها، وتصحّح بوصلتها، وتفتح صفحةً جديدةً مع الجنوب عنوانها الاحترام والسيادة والنِّدّية، قبل أن تتحوّل الآثار المترتّبة على هذا الخطأ الاستراتيجيِّ إلى زلزالٍ سياسيٍّ وأمنيٍّ يعصف بالمنطقة برمّتها، ويُدخلها في نفقٍ مظلمٍ لا تُعرف نهايته ولا تُحمد عقباه.


إنّ الحكمة السياسيّة التي تقتضيها المرحلة تقوم على إدراك حقيقةٍ بسيطةٍ في ظاهرها، عميقةٍ في جوهرها، مؤدّاها أنّ الشعوب لا تُقهر، وأنّ الحقَّ لا يموت، وأنّ بذور الحرّية إذا ما رُويت بدماء الشهداء فلا بدَّ أن تنبت أشجارًا باسقةً لا تهزّها رياح الوصاية، ولا تفتّ في عضدها عواصف الهيمنة، وأنّ التعامل مع الشعوب بإرث العقليّة الوصائيّة التي سادت في حقبٍ مظلمةٍ من التاريخ لم يعد مجديًا ولا مقبولًا في عالمٍ تتسارع فيه المتغيّرات، وتتهاوى فيه الأقنعة، وتنكشف فيه الحقائق.


وإنّ الجنوب العربيَّ اليوم، إذ يخرج في هذه المليونيّة الخالدة، ليرفع صوته عاليًا بأنّه شعبٌ حرٌّ أبيٌّ، لا يقبل الوصاية، ولا يرضخ للإملاءات، ولا يقبل أن يكون ملفًا سهل الاحتواء فهو شعب لا يُفرّط في سيادته، ولا يتخلّى عن قيادته التي اختارها بإرادته الحرّة، لهو في الوقت ذاته يمدّ يده لكلِّ قوى الخير والسلام في المنطقة والعالم، من أجل علاقاتٍ متكافئةٍ قائمةٍ على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، ولكنّه أيضًا يعلنها صريحةً مدوّيةً أنّ له خياراته التي تناسبه في استعادة دولته المستقلّة كاملة السيادة، والمحافظة على مكتسباته الوطنيّة التي قدّم من أجلها قوافل باهظة من الشهداء والتضحيات الجسام، وأنّ صبره وإن طال فإنّ له حدودًا، وأنّ سعيه للسلم لا يعني بحالٍ من الأحوال تفريطه في ذرّةٍ من تراب وطنه، أو تنازله عن حقّه المشروع في دولةٍ كاملة السيادة على كامل ترابه الوطنيِّ.


فلتسمع راعية التحالف والمجتمع الدولي، ولتسمع كلُّ عواصم القرار في المنطقة والعالم، صوت الشعب الجنوبيِّ وهو يدوّي في فضاءات عدن وحضرموت وسائر حواضر الجنوب العربيِّ، صوتًا لا يعرف المواربة، صوتًا يصدع بالحقِّ ويُعلن كلمة الفصل، ليدرك الجميع أنّ تصحيح الخطأ الاستراتيجيِّ في التعامل مع إرادة هذا الشعب وقيادته الشرعيّة لم يعد ترفًا سياسيًّا أو خيارًا من خيارات متعدّدة، بل أصبح ضرورةً ملحّةً وواجبًا عاجلًا يُدرك قبل أن يداهم الجميعَ الندم، ولا تجدي الاعتذارات، ولا تغني الحسرات، وأبلغ من قال، وأقام الحجّة من خرج ليُسمع العالمين أنّ الشعب الحرَّ لا يُستعبد، والوطن السليب لا يُنسى، والحقَّ المنتزع بالقوّة لا بدَّ أن يعود لأصحابه ولو بعد حين.