آخر تحديث :السبت - 11 يوليو 2026 - 01:02 ص

كتابات


إن خرج الظلم من النافذة... دخلت الأعراف من الباب

السبت - 11 يوليو 2026 - 11:30 م بتوقيت عدن

إن خرج الظلم من النافذة... دخلت الأعراف من الباب

هاني الرفاعي

حين تعجز المؤسسات عن طمأنة الناس، وتتأخر الدولة في حماية هيبة القضاء، فإن المجتمع يبحث عن وسيلته الخاصة للدفاع عن العدالة. وهذه ليست دعوة للفوضى، بل نتيجة طبيعية لغياب اليقين.


ما أثير مؤخرًا بشأن إمكانية إدراج مدانين صدرت بحقهم أحكام قضائية نهائية في قضايا اغتيالات وأعمال إرهابية ضمن ترتيبات لتبادل الأسرى، لم يُنظر إليه في الجنوب بوصفه مجرد خبر سياسي، بل باعتباره اختبارًا حقيقيًا لمكانة القضاء، ولحقوق الضحايا، ولحرمة دماء الشهداء.


ولذلك لم يكن مستغربًا أن تتوالى المواقف من مشايخ قبائل ردفان، ثم من الضالع وشبوة ولحج، وصولًا إلى قيادات المجلس الانتقالي الجنوبي العربي في مشهد يعكس حالة من التوافق على رفض أي خطوة تُفهم على أنها التفاف على الأحكام القضائية أو انتقاص من حقوق أسر الشهداء.


إن القضية تجاوزت حدود السياسة، وأصبحت قضية قيم وعدالة. فالشهيد الذي سقط دفاعًا عن وطنه لا يمكن أن تتحول قضيته إلى بند تفاوض، والمدان الذي استنفدت قضيته درجات التقاضي لا ينبغي أن يصبح ورقة في صفقات سياسية، لأن ذلك يهز ثقة المجتمع بالقانون، ويبعث برسالة خاطئة مفادها أن الأحكام النهائية قد تُعطل إذا تغيرت موازين السياسة.


ومن هنا يبرز عنوان هذا المقال: "إن خرج الظلم من النافذة... دخلت الأعراف من الباب." فحين يشعر الناس أن العدالة مهددة، تتحرك الأعراف الاجتماعية والقبلية لحماية ما تعتبره حقًا ثابتًا. وقد أثبت الجنوب في محطات عديدة أن القبيلة ليست دائمًا عنوانًا للصراع، بل قد تتحول إلى مظلة للدفاع عن الحقوق عندما تتراجع هيبة المؤسسات أو يغيب وضوح الموقف الرسمي.


إن المواقف المتتابعة ليست مجرد بيانات تضامن، بل رسالة سياسية واجتماعية مفادها أن دماء الشهداء خط أحمر، وأن العدالة ليست قابلة للتفاوض أو المقايضة، وأن احترام القضاء هو الضمانة الوحيدة لاستقرار المجتمع وحماية السلم الأهلي.


اليوم، تقع المسؤولية على عاتق الجهات الرسمية لإزالة أي لبس، وإصدار موقف واضح يحفظ هيبة القضاء، ويطمئن أسر الشهداء، ويؤكد أن العدالة ليست رهينة للصفقات أو التفاهمات السياسية. فكل تأخير في توضيح الحقيقة يفتح الباب أمام مزيد من القلق والاحتقان.


لقد أثبتت هذه الأحداث أن الجنوب، بكل مكوناته الاجتماعية والسياسية، يقف عند القضايا التي تمس كرامة الإنسان وحقوق الضحايا. فالعدالة ليست مطلبًا سياسيًا عابرًا، بل أساس الاستقرار، وأي مساس بها يهدد الثقة بين المجتمع ومؤسساته.


ويبقى الدرس الأهم أن الدول تُبنى بسيادة القانون، لا بسيادة الصفقات، وأن احترام أحكام القضاء هو الطريق الأقصر لحماية السلم الأهلي وصون تضحيات الشهداء. فإذا غاب القانون، تقدمت الأعراف لتملأ الفراغ.