آخر تحديث :الجمعة - 24 يوليو 2026 - 07:18 م

ثقافة - أدب - فن


فلسطين .. فسيفساء الأرض والإنسان ..

الجمعة - 24 يوليو 2026 - 05:47 م بتوقيت عدن

فلسطين .. فسيفساء الأرض والإنسان ..

بسَّام الحروري

_(والأرضُ تُورَثُ كاللُغة)_

محمود درويش


في فلسطين تُعَدُّ العناصرُ والتوابعُ التي تدور في فَلَكِ القضية هي المعادلَ الجوهريَّ والموضوعيَّ والشرعيَّ للجمال. إنها القضيةُ بعينها. فهناك كلُّ شيءٍ يقتبس جمالَه من جلالِ القدس.

فأجملُ ما في الأرضِ فلسطينُ،

وأجملُ ما في فلسطينَ فلسطينُ،

وأجملُ ما في فلسطينَ ترابُها،

وأجملُ ما في ترابِها زيتونُها وحجارتُها،

وأجملُ ما في زيتونِها زيتُها الذي يُضيءُ قناديلَ دربِ الكفاحِ والحريةِ ولو لم تمسسه نارٌ. فتشمخُ الحجارةُ أمامَ آلتِهم العاجزةِ لتعلنَ الانسحاب.


وأجملُ ما في حجارتِها أن تُجارَ الحروبِ والساسةَ لا يعقدون الصفقاتِ ولا يتاجرون بهذا السلاحِ المتاحِ الذي لا يتوفر إلا على هذه الأرض.

فيخشاه جنودُ الاحتلالِ إذا ما وقعتْ قنابلُ موقوتةٌ في أيدي أطفالِها قبلَ شبانِها.


فالحجرُ في فلسطينَ رمزٌ للقداسةِ والمقاومةِ والحياة. وعليه يقومُ أساسُ البيتِ، ويشمخُ الجبلُ، وتنتصبُ القنطرةُ، ويزدانُ به السهلُ والبقاعُ. إنه يكبرُ مع الأطفالِ ولا يشيخُ، ويُجابَهُ به المحتلُّ فيصغرُ.


وما أدلَّ على قداستِه إلا تلك الصخرةُ المعلقةُ في فضاءِ قبةِ الصخرة. هذه الصخرةُ التي تحرسُ فلسطينَ كالأمِّ، وتوازنُ بين سمائِها وترابِها، فتسلكُ الأرواحُ بسلامٍ إلى السماءِ دربَ المعراجِ، وتنتضي قضيتَها ورايتَها دون أن تستسلم.


وأجملُ ما في القضيةِ أمومتُها.

وأجملُ ما في الأمومةِ أنها تعجنُ الحليبَ بكبريتِ الشجاعةِ والصبرِ والكبرياءِ

لترضعه أطفالَها.


وأجملُ ما في الطفولةِ أنفتُها واستبسالُها ونماذجُ البطولةِ التي تستقيها من حكايا الكهولةِ والجداتِ ..


وأجملُ ما في الكهولةِ تشبثُها بالأرضِ وحكايا "ستّي" والمفتاحُ الذي يزيّنُ عنقَها، تطوفُ به بين الملاجئِ والخيامِ بعزمِ الصبرِ وعِزّةٍ لتذكّرنا بصمودِ غزة.


وأجملُ ما في الملاجئِ

أنها مدارسُ لتخريجِ المبدعينَ والفدائيين _(من يصعدونَ إلى حتفِهم باسمين)_.


وأجملُ ما في المبدعينَ

قصائدُ الشعراءِ، ولوحاتُ الفنانينَ، وأغنياتُهم ومواويلُهم وزجلُهم.

وأجملُ من في الشعراءِ: إبراهيمُ وفدوى طوقانُ، ومحمودُ درويشُ، وسميحُ القاسمُ، ومعينُ بسيسو، وسلمى الجيوسي، وتميمُ البرغوثي...

وأجملُ من في التشكيليينَ: إسماعيلُ شموطُ، وتمامُ الأكحلُ، وخالدُ نصارُ، وكاملُ المغني، والكاريكاتيرُ ناجي العلي...


وأجملُ من غنّى لفلسطينَ: مارسيلُ خليفةُ، وأميمةُ الخليلُ، وفيروزُ، وأحمدُ قعبورُ، ولطفي بوشناقُ، وأبو عربُ، وميسُ شلشُ، والطفلُ الغزّاويُّ محمدُ بسيوني...


وأجملُ ما في قصائدِ الشعراءِ ولوحاتِ التشكيليينَ وأغاني الفنانينَ وزجلِهم ومواويلِهم أن القدسَ تسكنُها، وتتربعُ عُرباً وحِلياً في مواويلِها، وتمازجُ ألوانَ لوحاتِها وألحانَ أغانيها وأبياتَ قصائدِها.


وأجملُ ما في القدسِ أنها تختزلُ فلسطينَ، فتوجزُ الحقَّ والعروبةَ والبطولةَ والاستبسالَ

في ثنايا ذاكرتِها الجمعيةِ.

وأجملُ ما في فلسطينَ أنها عروسُ السهلِ والجبلِ والماءِ، تختالُ بزينةِ موروثِها وتراثِها. وأجملُ ما في تراثِها:

_(عَ الميجانا)_ و_(يا طيرة طايرة)_ و_(عَ الروزانا)_ و_(زريف الطول)_ و_(وين عَ رام الله)_ والدبكةُ والدحيةُ.


وأجملُ ما في الدبكةِ رشاقةُ الصبايا وخفةُ الشبانِ المؤدّين في استعراضِ الرجولةِ والمروءة. فالفنُّ هنا فعلُ تطهيرٍ ومقاومة.


ومن رشاقةِ الصبايا وقوةِ الشبانِ يستعيرُ الكرملُ والزيتونُ والتينُ ونخلةُ مريمَ صلابةَ جذوعِها وتموضعَها، فيطاولُ شجرُ كنعانَ وضاعةَ الجدار.


وفي فلسطينَ فقط تنمو شجرةُ الصبّارِ، وتتخذُ الكوفيةُ بنقشِها شكلَ الأسلاكِ الشائكةِ، فينخفضُ الجدارُ العازلُ صاغراً كلما أطلَّ عليه حنظلةُ ناجي العلي على وقعِ تراتيلِ درويش:

_(على هذِهِ الأرضِ ما يستَحِقُّ الحياة)_

_(والأرضُ تُورَثُ كاللُغةِ)_ ..


مستحثّاً الدمَ العروبيَّ

وأسوأُ ما في العروبةِ أنها عاجزةٌ !